Mohannad Najjar

Mohannad Najjar's Writings..

Menu Close

Category: كتابة

بيني وبينَك؛ في يوم مولدك.. أكتب لك!

بيني وبينَك؛ في يومِ مولدك.. أكتُبُ لكَ !
*
– بأعيُنِهم يرونَك ، و بقلبي أراكَ!
و تنتظرُ غفلَتَهُم عنكَ و تهتفُ لي ساراً:
– لا تخَف. أنتَ في قلبي ، و أنا في قلبِ الله.
– ” بصري اليومَ حديد والغطاءُ على وجهي. و وجهي على المقصلة. يزعمونَ أنهم يتّبعونَ أوامرَك. “
أُخبركَ مُعاتباً !
تهمسُ لي:
– ” لم آمرهُم بذلِك ولا أعرفهُم، لو منعتَهُم ما صدّقوني. كُن فيهم كالحُسين مع قومه، كرامتهُ لا تعرفُ الجوعَ والماء.. “.
*
رأيتُكَ في يومِ مولدك بلا حجابٍ ،
على مائدةٍ من أحلامٍ وأمنياتٍ اجتمعنا ،
كانت هذهِ الأذنُ تُصغي.. وهذهِ العينُ تُبصِرُ.. و هذا القلبُ يحبُّ!
تُلملِمُ بقايا تلعثُمي وتأتأة حروفي، تُطمئنَني قائلاً:
– أفهمُكَ أكثر. و أُحِسُّكَ أكثر. عيونَك مرآتُك، لطالما كان الكلامُ أسخفَ لغاتِ البشر.
*
أحببتُكَ وأحببتُ الحقيقةَ أكثرَ منكَ، لكني وجدتَك تعلّمني من البداية حبّ الحقيقةِ، وتقولَ لي:
– التفكيرُ صلاتي الأولى. لا تتنازَل عن حقِّكَ فيه.
*
( خطيرٌ هو العبور إلى الضفَّةِ الأخرى ، خطيرٌ مسلَك الطريقِ ، خطيرٌ النظر إلى الوراءِ ، خطيرٌ هو الارتعاش ، و التوقُّفَ خطيرٌ ) .*
– زرادشت الأخير!
*
– لقد بتُّ اللياليَ تلوَ اللياليَ في غارِ حراءِ قبلَ أن أراهُم، و باتَ موسى في الطورِ أربعينَ ليلةً. الغُربةُ قدرُ الأنبياءِ؛ وأشباهُ الأنبياء.
وحدتُكَ مُقدّسةٌ جداً لديكَ،
ذاتُكَ تكشفُ لكَ أسرارَ كلّ شيء.
تمتّع بها، فليسَ بإمكانِهِم أن يسرقوها منكَ !
و كُن كما أنت؛
قلِّب وجهَكَ في السماءِ كلّ يومٍ؛
لكن لا تنتظِر منها شيئاً،
فالسماءُ كاذبة !
و اصعَد.. اصعَد إلى سدرةِ المُنتهَى؛
و مُت شامخاً.

في معنى أن تفكّر.

في معنى أن تفكّر.

أن تفكّر.

أي: أن تستعدَّ لخسارةِ كثيرٍ من القلوب، من الأصدقاء، من الأهل و الأقارب، لأنّك على وشكِ مخالفتهِم.

أن يبتعدَ عنكَ من يخافُ أن يفكّر؛ يجرحَك ويدّعي أن الخطيئةَ خطيئتَك.

أن تحكمَ على نفسِكَ بالغُربةِ حياً.

أن تتساءَلْ كثيراً، ولا تبدو لكَ الأشياء كما تبدو أوّلَ مرة.

أن تضعَ الخيارات أمامَك وتختارُ بنفسِك، بقناعةٍ وحسب؛ بلا ضغوطٍ ولا مجاملات.

أن تقدّسَ القلق الذي يستفزّ وعيَك في الوقتِ الذي يثير سخريتهم منكَ.

أن تعيشَ في صدامٍ مع كلّ فكرةٍ تشيخُ في ذهنك ولو ترسّبَت.

أن تتكئَ بكلّ تعالٍ و تُرفّعٍ بعقلِكَ على الأفكار المسبقة؛ و تُقلِّب بينَ يديكَ كل فكرةٍ يميناً و شمالاً لتراها مُصيبة أم مُصابة.

أن تخلُقَ من المعنى معانٍ مختلفة، ومن الفكرةِ أفكاراً شتّى.

أن ترتّبَ الأشياء فتضمَّ الشبيه إلى الشبيه و تفصلَ بينَ المُلتبسات.

أن تكونَ في دهشةٍ دائمة.

أن تأبى أن تكونَ ضمنَ من يُدهَنونَ بألوانٍ لا يختارونها.

أن تصبحَ ثوابتهم موضوعَ بحثٍ واحتمالَ صوابٍ وخطأ لديك؛ وتصبح أنت موضوع وعظهِم وتهديدهم.

أن تخترقَ المناطقَ المحرّمةِ و تتعدّى على الحدود التي رسموها لكَ بأبسطِ مالا يملكونَ مواجهتهُ: سؤالٌ.

أن تُعرّفَ نفسَك بنفسك وفقط؛ لا يُصبحُ تعريفَ نفسِك باسمِ جماعةٍ كبيرةٍ أو صغيرةٍ مقبولاً لديك.

أن تتمرّدَ دائماً على الأجوبة التي تُقدّمُ لك جاهزة مطبوخة/ محترقة.

أن تفكر ، أن تُمارِسَ وجودَكَ الحُر.

عن الكتابة ولماذا نكتُب.

عن الكتابة ولماذا نكتب.
 
1- يعرف رولان بارت الكتابة بأنها (ليست شيئا سوى البقايا الفقيرة والهزيلة للأشياء الرائعة الجميلة الموجودة في دواخلنا) ما هذا “الشيء” من تلك البقايا الجميلة الموجودة في دواخلنا؟ ليس كل ما يكتب جميلا ورائعا، بارت يتحدث عن بقايا وأشياء أخرى هي محرّض للكتابة. تلك الرغبة المتأججة فينا للكلام، ذلك الاندفاع للكتابة المختبئ فينا.
 الكتابة: معنى مل من الغرق؛ يطفو على السطح.
 
2- في كتابه (عن الحرية أتحدث) يتحدث الدكتور زكي نجيب محمود -فيلسوف مصري- عن بعض تأمّلاته في الحرية قائلا: (إنها هي الحرية التي تعني أن يعبّر الكائن عن دخيلته بسلوك ظاهر، وأرجوك أن تقف لحظة عند كلمة “يعبر” هذه، لأنها كلمة استطاعت بها عبقرية اللسان العربي أن تبثها معنى ضخما بعيد الدلالة، فالتعبير إنما هو “عبور”، فهنالك في دخيلة الكائن الحيّ سرّه الإلهيّ العظيم، لكنه سرّ لا يراد له أن ينكتم، فمهدت له وسائل “العبور” من الداخل إلى الخارج، وذلك هو نفسه “التعبير”.)
الكتابة: جسر عبور بين ما هو حيّ فينا وبين الحياة من حولنا.
 
3- وهل تكون الكتابة (شهوة خلق) ؟ يقول المسرحي الفرنسي أوجين يونسكو: (إنه يكتب لأنه يتساءل عن ماهية العالم، أو لأنه يريد أن يبرر وجوده، أو لأنه يرغب في تأدية رسالة أخلاقية أو سياسية.. ولكنها كلل علل وأعذار تخفي وراءها باعثا أعمق لا يستطيع الفكر إدراك كنهه. وربما لم يكن هذا الباعث سوى شهوة الخلق). ما هذا المصطلح الجميل الذي أقرأه لأول مرة هنا (شهوة الخلق) ؟ أحقا في الإنسان شهوة لاواعية تواقة للخلق والابتكار؟ وهل هذا الأمر خاصّ بالكتابة ؟ إنّ من يكتب يخلق حروفا ومعان لا فضاء لها. إن من يرسم يخلق عوالما شتى تعبث بإدراكنا. والطفل أيضا في لعبته خالق صغير لأشكال وتركيبات وأنماط من الحركة يختارها. يبدو أن الأمر ليس مقتصرا على الكتابة وحدها.
 
 4- هل الكتابة نوع من “الرغبة في البقاء” ؟ فـ”من يكتب؛ لا يموت أبدا”، وعبدالوهاب البياتي يقول “أكتب؛ كي أقاوم الموت”، وكافكا يقول: (سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال. إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات). ذكرني هذا بفكرة (الرغبة في الخلود والاستمرار) لدى الإنسان، رغبتنا في أن نذكر لدى الآخرين بعد موتنا، أن تبقى كلماتنا وأفكارنا حاضرة على ألسنة الناس من بعدنا؛ كأننا ننطق على ألسنتهم من قبورنا. ماذا عمن يحرق كتبه وأفكاره الثمينة؟ إنه يريد أن يخبر الناس أنه لا يهتم ببقاءه بعد موته؛ إنه يخبرهم أنه يحس بلعنة الحياة أكثر منهم جميعا.
 
5- من يكثر الصمت يحب الكتابة أكثر من غيره؛ فهو كما يلتزم الصمت، يكتب. الكتابة ليست تدوينا لكلام تنطقه بلسانك في المجالس، ولا وسيلة اتصال، إنها أكثر خصوصية من ذلك. أنت وسط من حولك خالق لكلمات تحرص -وقد تتعثر- على أن تكون “جسرا” بين أفكارك وأفهامهم؛ تراعي سياقاتهم الثقافية وتلتزم مقدارا من التبسيط والمراعاة للوقت والحال. الأمر ليس كذلك في الكتابة، حين تكتب؛ تكتب وحيدا منفردا وتكون “الأنا” أكثر حضورا ومركزية وأقرب لمعناك وما تريده.
 
6- ويشعر الإنسان طوال الوقت بنوع من البعثرة والتداخل في أفكاره؛ تلك الأفكار المتناقضة والمتراكمة والعصية على الضبط. نحاول بالكتابة ترتيب هذه الأفكار المشتتة؛ تقييدها في تدوينها. (لماذا يكتب المرء إن لم يكن من أجل أن يجمع القطع مع بعضها بعضا) كما يقول إدواردو غاليانو.
 
7- ” لماذا أكتب؟ لتراك في وأراني فيك.” يقول ميخائيل نعيمة وهو يتحدث عن علاقة القارئ بالكاتب، وأقول أنا: أحيانا أكتب لأني أحتاج أن أخبرك أني أشبهك. وأحيانا أكتب لأني أحتاج أن أخبرك أني لا أشبهك. بيني وبينك أفكار/ وأحاديث/ وأمنيات/ وأشياء متشابهة ومتباعدة؛ متقاطعة ومتوازية، كثيرا ما سأحتاج أن أحدثك عنها. فهل معنى هذا أن “القارئ” سجن الكاتب، وأن الكاتب طوال الوقت مشغول بقارئه؟
 
8- (إنني أحاول أن أكتب شيئا يأتي على مرامي، ويمنحني سعادة حين أكتبه. إذا سرّ قرائي بما أكتبه فسأكون ممتنا. بيد أنه يتعين علي أن أقول.. إنني أكتب لأمتع نفسي في المقام الأول!) بهذه الصراحة واجه قراءه الناقد الإنجليزي نيفيل كاردوس. معنى هذه أني لست دائما “أحتاج أن أحدثك وأخبرك أني أشبهك أو لا أشبهك”؛ أحيانا أحتاج أن أقول ما أريده لمتعة كتابته فقط. لست سجنا لي-عزيزي القارئ- فالكتابة أيضا لها أغراض أنانية جدا. سأعترف أن لك سلطة عليّ في بعض الأوقات؛ أعدك أني سأضعها في أضيق نطاق.
الكتابة: مساحة للحرية تمارس فيه وجودها؛ رغم ضغوط السّلطات. 
 
9- لطالما كان (تعريف نفسي) أمرا مشكلا لي، حين يسألني أحد الغرباء الذين رغبوا لسبب أو لآخر التعرف عليّ؛ وكان قد سمع أن لي كتابات أدبية أو مواضيع فكرية؛ أحتار كثيرا في إجابته. يعرف أني أكتب؛ لكن بلا موضوع، وبلا مكان. كانت (حياتي الكتابية) موزعة في المنتديات -قديما- والفيسبوك وتويتر -حديثا-، كانت ولا زالت، لكني أحاول بهذه المدونة أن أجعل لها مكانا يجمعها بشكل مرتب أكثر. ( هل هذا يعني أنني حين يسألني أحدهم، سأعرّف نفسي مجيبا بأني: “مدوّن، أكتب في مدونتي”؟.. لا أظن ذلك).
الكتابة: محاولة لتعريف الذات؛ قولبتها في حروف؛ هي أيضا محاولة لاستكشافها.