Mohannad Najjar

Mohannad Najjar's Writings..

Menu Close

Category: فكر (page 1 of 2)

هجمات باريس: عن المأساة وتسييسها. – ترجمة مقال

هجمات باريس: عن المأساة وتسييسها.
مقال لـ: سام كريس: صحفي مقيم في لندن يكتب ويدوِّن في Vice ومجلة جاكوبين.
المقال الأصلي: How to Politicize a Tragedy
ترجمة: مهند نجار
نُشِرَ في موقع حكمة

أكتب هذه الكلمات في صباح هذا اليوم، بعد سلسلة من الضربات العنيفة في باريس والتي خلَّفت أكثر من 120 قتيلاً، الكتابة عما حدث ستبدو أمراً قاسياً. وفي هذا الوقت الذي يترنَّح فيه العالم، هناك شيءٌ وحشيٌّ جداً خلف الفكرة التي تقول أنه وقتٌ مناسب لتطالب الآخرين بسماع رأيك «الحصيف». إذا كانت من الوحشية أن تكتب قصيدة بعد إبادات معسكر أوشفيتز، فمن الوحشية أيضاً أن تكتب تأملات فكرية بعد باريس. لا تُسيِّس، لا تستخدم مآسي القتل الجماعي لتتفوَّق خطابياً على خصومك، لا تصرخ: سبق وأخبرتكم، لا تجعل من الجثث لعبة شد الحبل الخاصة بك، لا تجعل من هذه المأساة شيئاً يتعلّق بك، هذه مأساة وليست سياسة.

ووجه الغرابة في هذه المقولات أن الموت هو دائماً سياسي، ولا شيء أكثر وضوحاً في تسييسه من الهجوم الإرهابي. هذه الأحداث حصلت لأسباب سياسية، ولها عواقب سياسية. حسنٌ أن تمتلك رأياً في أوقات السلام، ولو كان هذا الرأي يُشكِّل إحباطاً لدى الكثير، لكن امتلاكك لرأي في وقت الأزمات ضروريٌ جداً. ومن ناحية أخرى، شعورٌ بالتقزّز يتنامى من تعليق البعض على إجراء فرنسا غير المسبوق في إغلاق الحدود، أنهم لو فعلوا ذلك مبكِّراً، «كان يمكن لنا أن نتجنَّب كل هذا». عندما كانوا يثرثرون عن «الخطر العالمي للإسلام والأجانب الذين يقطنون بيننا»، وعندما يعلنون بكل عجرفة أن قوانين تقييد السلاح «تترك السكَّان بلا حماية».

هذه العادة ليست مقتصرة على اليمين السياسي، هناك الكثير ممَّن يُوصفون باليسار أيضاً يستخدمون المذبحة باعتبارها جسر العبور المناسب لاستعراض مثُلهم الأخلاقية. ماذا لو كان المهاجمون بيضاً؛ ألم نكن لنتحدَّث الآن عن الصحة العقلية والجنون؟ ألا تعرفون أن غير المسلمين يرتكبون أعمالاً وحشيّة أيضاً؟ لماذا الآن تُبالون بهذه القضية، دون كل المآسي التي تحصل حولنا في العالم؟ ألا ترون أن كل هذه الجثث موجودة فقط لتثبت لكم أنني كنت على صواب من البداية؟

بالعادة، القليل من الناس يُطالب بألا يعبِّر عن رأيه، لكن خلال السنوات الماضية؛ أصبحنا جميعاً نُطالَب بذلك. أكثر هذه المُطالبات تحصل على الانترنت، فيبدو أنه من الشنيع أن تتحدَّث عن توقّعاتك بالنهايات المأساوية التي قد يتعرَّض  لها المئات؛ في ذات المنصة الالكترونية التي نتحدَّث فيها عن آراؤنا في مباريات كرة القدم والبرامج التليفزيونية. أحد الأسباب لهذا مرتبط بالأسلوب المتبع في هذه الخدمات: خانات فارغة تنتظرِك وتشجِّعك على أن تملأها بالكلمات. أن تشارك بالمحادثة وتُعلِّق. لأنَّك تؤمن بأهمية ما تريد أن تقوله. وفجأة ومن حيث لا تدري، وأثناء مشاركتك وانضمامك للمحادثة، يُقال عنك أنك تقفز على جثث الموتى. وأننا نعبث بأفكارنا في وسط الدماء. فالتعبير عن أي شيء غير الحزن، سيُعَد وحشيّة وقسوة.

وبعد ذلك، لننظر فيما قيل. في ليل يوم الجمعة، وقف الرئيس الفرنسي هولاند بخارج قاعة مسرح باتاكلان، حيث العشرات من الموتى، ليقول: “سوف نُحارِب، المعركة ضد هؤلاء ستكون بلا رحمة”. ستكون هناك مزيدٌ من الحروب، مزيدٌ من الموت والمآسي. وتستضيف المحطات التلفيزيونية الخبراء الذين يصرُّون على أن هذا خطأ المهاجرين والأجانب، كما لو أن اللاجئين جلبوا معهم العنف الذي هربو منه أصلاً. مزيدٌ من القمع، مزيدٌ من الوحشية والمذابح.

الهجمات الإرهابية، وكما نعرف جميعاً، تهدف إلى ضرب الناس بعضهم ببعض، وتكثيف عنف الدولة، وهذا ما حصل تماماً. استجاب الناس على ذلك النحو، وأعلنت الدولة عن عزمها للعنف. وهذا كله تسييسٌ للمأساة. والحديث علناً ضدّه هو كذلك تسييسٌ للمأساة، فهل كلا الوجهين مرفوضَيْن؟

في اليوم الذي سبق هجمات باريس، قام انتحاريِّيْن بتفجير أنفسهما في برج البراجنة، الضاحية الشيعية -في الغالب- من بيروت، وقُتِلَ 43 شخصاً بريئاً. الوكالات الإخبارية مثل رويترز أذاعت الخبر على أنه هجوم على «معقل حزب الله». إنسانيّة الضحايا تلاشت، وبكل قسوة تم اختزال الضحايا في حزب سياسي ربما يدعمه بعضهم وربما لا. لكنّهم لم يكونوا بشراً، كانوا «حزب الله»، كما لو أن المكان الذي هُوجِمَ قلعةٌ مُسوَّرة وليس حياً سكنياً تقطن فيه عائلات. الكثير أبدى رفضه لهذا الاختزال، وهذا أيضاً كان تسييساً للمأساة، فهل هو غير مقبول؟

عندما نقولها بصراحة أكثر، فكرة عدم التسييس تعني أن لا نجعل من موت أحد مرتبط بأي شيء آخر: فالموت لا علاقة له بالقضية التي طالما تبنّيتَها وتهتمّ بها، الموت لا علاقة له بك. لكن، هذا القول بحد ذاته نوعٌ من أنواع السياسة. زِد على ذلك، الإصرار على إنسانية الضحايا هو أيضاً فعلٌ سياسيٌّ. وحيث أصبحت المأساة تتداول في سياق صراع الحضارات، أو كذريعة لإلقاء اللوم على من هم أصلاً ضحايا، يعني هذا أن المأساة سُيِّسَت لأقصى درجة.

هناك التسييس الذي يتغذّى على الموت لأهداف سياسية محدودة، وهناك أيضاً التسييس الذي يرفض أي إملاءات مقرّرة مسبقاً غير السعي إلى التحرُّر. هذا التسييس يركِّز على الطبيعة السياسية للمأساة، وليس بإلقاءها على طرفٍ هنا أو هناك، ولا بالنظر إلى صور الدماء بعدسة اليسار أو اليمين. لأن السياسة هي الحلّ الأمثل للخروج من كل هذا.


المآسي الفظيعة تتطلَّب تضامناً، تضامناً مطلقاً لجميع الضحايا. الإصرار على أن تملك رأياً لا يعني نظرة غير المبالي الذي يعتقد أنه كان على حق منذ البداية. بل التضامن غير المشروط والذي لا يميِّز في مواجهة الدمار. أن تحارب هؤلاء الذين يفجِّرون المقاهي والمسارح، كما تحارب أيضاً هؤلاء الذين يفجِّرون المدُن بالطائرات المقاتلة وبأجسادهم، وهؤلاء الذين تركوا المهاجرين إلى البرد يأويهم على الحدود، وهؤلاء الذين هرب المهاجرين منهم. أن تناضل: أن تناضل النضال المشترك لكل هؤلاء الذين يعانون، ضد المعاناة.

التشبيح الجديد: أخونة كلّ شيء

التشبيح الجديد: أخونة كلّ شيء

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 14/07/2014.

بدايةً.. عن الشخصية التسلُّطية:

يُعد مفهوم «الشخصية التسلُّطية» من المفاهيم الكلاسيكية في علم النفس وعلم الاجتماع؛ تطوّر هذا المفهوم خلال القرن العشرين على يد فلاسفة ومفكّرين مدرسة فرانكفورت (معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، ألمانيا). وفي عام 1942، نشر عالم النفس الألماني إريك فروم دراسته «الخوف من الحرية» ليقدّم فيها مفهومه عن الشخصية التسلُّطية؛ واصفًا عمليات مثل: تقديس الحاكم «الفوهرر»، عبادة الدولة، باعتبارها دينًا علمانيًّا في العصر الحديث، بما تحمله كلمة دين من طقوس وعبادات واعتقادات يقينيّة.

لكن الأكثر شهرةً وإحالةً إليه دراسة الفيلسوف ثيودور أدورنو وزملائه والتي نُشِرَت في عام 1950 بعنوان: «الشخصية التسلطية» متناولًا الأسس السيكولوجيّة للسُّلطة وتفسير انتصار هذه «الشخصية التسلُّطية» في أوروبا في حينها. لاحقًا، وُجِّهَت انتقادات كثيرة لدراسته تُسائل المنهجيّة والنتائج والتعريفات التي اتّخذها.

لاحظ أدورنو وزملاؤه عدّة ملامح لهذه «الشخصية التسلُّطية» منها مثلًا: الخضوع التام للسلطة، عدم القدرة على تحمل الاختلاف والاعتقاد بضرورة تعنيف أولئك المختلفين، الميل للنظرة إلى العالم بوصفه مقسومًا بين البياض والسواد، الاعتقاد بالإجابات البسيطة المفسّرة للعالم مثل: “الإعلام هو الذي يسيطر على عقولنا”، “فقدان الأخلاق هو مصدر كل مشاكلنا”.

التشبيح بوصفه امتدادًا للشخصية التسلُّطية:

كما يُلاحظ د. عبدالسلام المسدّي أن إطلاق الاسم هو اختيارٌ في حدِّ ذاته يتضمّن نوعًا من التأويل ولونًا من الإدراك، وأن فعل التسمية نفسه هو جزء لا ينفصل عن الأيديولوجيا السّياسية. ويُعد عام 2011 من أكثر الأعوام التي نُحِتَت فيها مصطلحات جديدة لتُضاف إلى قاموس الخطاب العربي. ظهر مصطلح «الفلول» في مصر مثلًا، ومصطلح «الشبيحة» في سوريا؛ رغم أنه كان موجودًا سابقًا لكنه لم يكُن معروفًا.

في البدء، كان يُشار إلى الشبيحة بوصفهم: العصابات المدرّبة الموالية للنظام والتي تعمل ميدانيًّا بصورة غير رسمية لتصفية الثوّار. ثم لم تلبث الكلمة أن امتدّت لتشير إلى كل من يبرّر عُنف الدولة ويُساند النظام، فأصبح هناك بالإضافة إلى الشبيحة الميدانيّين: تشبيح إعلامي، تشبيح ثقافي، تشبيح إلكتروني، إلخ.

الملامح التي حدّدها أدورنو للشخصية التسلّطية تبدو قريبةً جدًّا من نماذج «الشبّيحة»، نحن نتحدّث عن أشخاص في سبيل دفاعهم عن نظامٍ ما، لديهم قابليّة لتبرير أي شيء، وقناعة تامّة بأن كل ما يحصل هو مؤامرة تدار من مكاتب (إسرائيلية- أمريكية)، وبسهولة ينسبون المختلفين معهم إلى أنّهم عملاء لتنظيمات دوليّة أو لأجانب يسعونَ لتخريب الوطن.

التّشبيح الجديد.. مصر وشمّاعة الإخوان مرة أخرى:

يبدو الحديث عن «شمّاعة» الإخوان أو الإسلاميين مألوفًا ومتكرّرًا؛ إذ دأبت كثيرٌ من الأنظمة العربيّة في تصفيتها للمعارضة بحجة انتمائها للإخوان. ورغم أن هذه الفكرة تُقال كثيرًا، إلا أنه لا زال معمولًا بها من قبل أنظمة وإعلاميين ومثقفّين على نفس الوتيرة. ظهرَ هذا مبكّرًا من بداية أحداث الربيع العربي في 2011 من أصوات مناهضة له تنسب ما يحصُل على أنه مؤامرة إخوانية؛ في مقابل رواية الثوّار لما يحصل بوصفه انتفاضة شعب يطالب بالحرية والكرامة والعدالة.

كان مصطلح «الدولة العميقة» يُطلق بدايةً على توغُّل الجيش والمؤسّسات الأمنية في مصر في مفاصل الدولة والمجتمع، انقلبَ هذا المصطلح ليصبح دلالةً على توغُّل الإخوان وبالتالي تبرير اعتقالات كثيرة بناءً على انتمائها للإخوان.

يبدو واضحًا أن هذه الفكرة تُعَدّ مرحلة تالية على سؤال أسبق: هل يجب أصلًا ملاحقة الإخوان واعتقالهم؟ بدا هذا السؤال مفروغًا منه أمام الصورة المشوّهة التي تركها الإخوان في الذّاكرة خلال فترة حكمهم؛ ورغم أن الإخوان مسؤولون عن هذه الصورة التي صنعوها بأيديهم، إلا أن هذا لا يعني تجاهُل السؤال عن ما يجب فعله تجاههم وتركهم تحت رحمة المؤسّسة الأمنية.

في 25 يناير هذا العام، انطلقت مظاهرات ذكرى الثورة، ومنها «مسيرة المعادي» التي اُعتُقِل فيها 20 شخصًا أعلنت النيابة العامة عن أسمائهم. ومن هذه الأسماء: الناشطة نازلي حسين؛ عضوة في مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين»، اتّهمتها تحريّات الأمن الوطني بالانتماء للإخوان المسلمين، رغم أنها كانت مشاركة في 30 يونيو 2013 ومُطالبة بإسقاط نظام الإخوان. وخرَجت بعد ذلك الاعتقال بثلاثة أيام.

«تيتو» هو لقب يُطلق على شاب مصري اسمه: طارق محمد حسين، وعمره 21 سنة وينتمي لحزب الدستور، اُعتُقل «تيتو» في مسيرة المعادي نفسها 25 يناير 2014 ولا زال للآن، واتِّهَم رسميًّا بالانتماء لجماعة الإخوان. طارق «تيتو» نفسه، متّهم في قضيّة أخرى -رُفعت خلال فترة حكم الإخوان- بالاعتداء وتخريب مقر مكتب الإرشاد بالمقطّم. هو ذات الشخص، اُتِّهَم مرةً بالاعتداء على الإخوان ولا زالت القضية سارية، واُتِّهَم أيضًا بالانتماء للإخوان وأُعلِن الحكم عليه -بسنتين سجن- في بعض الصُّحف المصرية.

بقدر ما تبدو قصّة «تيتو» هذه، قصّة من أغرب القضايا السياسيّة في مصر، إلا أنها تُشير بوضوح إلى مدى عشوائيّة الاتّهام بالانتماء للإخوان.

إعلاميًّا، لم ينجُ «وائل غُنيم» أحد مؤسّسَي صفحة «كلنا خالد سعيد» من اتّهامه بالانتماء للإخوان، و«الإعلامي مصطفى بكري» يقول إنه يملك وثائق تؤكّد انتماء «باسم يوسف» أيضًا للإخوان. وقصة «أبلة فاهيتا الإخوانية» من أكثر الأشياء المثيرة للسخرية والتي تشير إلى سياسة: أخونة كل شيء. ويستمر الحال هكذا.

.. وفي السعودية أيضًا:

في 8 يناير من العام الجاري، أنشأ مجموعة من الأشخاص هاشتاقًا على تويتر بعنوان: اختراق الإخوان لمؤسّسات الدولة، ناسبين فيه تواجدًا يمثّل خطرًا أمنيًا على الوطن للكثير من أعضاء الإخوان داخل وزارتَي الثقافة والإعلام، والتربية والتعليم. وغيرها من مؤسّسات الدولة.

وفي أواخر شهر مايو من العام الجاري، وتعليقًا على ضعف الإقبال على الانتخابات الرئاسية المصريّة وقتها، كتب د. فهد العرابي الحارثي عدّة تغريدات مفسّرًا فيها سبب ضعف الإقبال بتجاهل شباب 25 يناير وعدم الرغبة في عودة «حكم العسكر». هُوجِم العرابي واتُّهِم بتهمٍ منها تهم شخصيّة تنسب رأيه هذا لرغبته في تحقيق مصالح خاصة، ومنها تهم تخوين ومخالفة للوطن وتعاطُف مع جماعة صُنِّفَت رسميًّا على أنها إرهابية «الإخوان».

وفي 8 يونيو من العام الجاري، نشرت صحيفة الاقتصادية مقالًا للكاتب محمد جزائري بعنوان: (كيف أيقظ «الإخوان» و«اليسار» الهوية المناطقية لدى «صوفية الحجاز»؟)، رابطًا فيه بين الحِراك الذي يُطالب بوقف هدم الآثار في مكة بالإخوان وغيرها من الروابط العجيبة التي يصعب إيجاد أي منطق لها.

الكاتب في صحيفة عكاظ خلف الحربي كتب في 31 أكتوبر 2012 مقالًا بعنوان: «هلكتونا بالإخوان!» مشيرًا فيه بسخرية إلى «بعض المثقفين والصحفيين المنافقين» الذين تخصصوا تلك الأيام -وحتى الآن!- «في تضليل الشارع العربي وإلصاق أي تهمة بالإخوان المسلمين».

ولكن.. ماذا لو كان حقيقةً؟

إذا كان تلفيق التهم والاتهام بالانتماء للإخوان واضحًا في مصر، فهل هو كذلك في السعودية؟ وهل فعلًا الدولة مخترقة من قبل «الإخوان»؟ وماذا لو كانت كل هذه التهم صحيحة؟

كل هذه الأسئلة مشروعة وتستحق المناقشة، لكن ليس قبل تفسير أولًا معنى هذا الانتماء، فجماعة مثل الإخوان المسلمين كانت في السعودية تحظى بدعمٍ حكومي واسع، من الطبيعيّ جدًّا أن يبقى لها جمهورها ومحبوها. لكن هل يفرّق هؤلاء «الشبيحة الجدد» بين الانتماء إلى «التنظيم الدولي» وبين الانتماء لأدبياتها العامة ومجمل أفكارها؟ هم لا يفرّقون. هل يفرّقون بين الانتماء إلى الإخوان وبين التعاطف مع الضحايا واحترام حق الإنسان مهما كان توجّهه؟ هم لا يفرّقون. وهُم غير معنيّين سوى بترويج بروباجندا «فوبيا الإخوان» دون أن تعنيهم أيٍّ من تلك الفروق؛ وبسهولة شديدة جدًّا يرمونَ المختلفين معهم بتهمة الانتماء للإخوان.

عن الاعتقال السياسي وعواقبه: كلمة لا بد منها

عن الاعتقال السياسي وعواقبه: كلمة لا بد منها

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 08/07/2014.

إلى وليد أبو الخير، حرًّا أينما كنتَ..

-1-

يثير الاعتقال، أيّ اعتقال –بالمعنى الواسع له-، سواء كان لقضية عادلة أم ظالمة، كان متهمًا بريئًا أم مدانًا، يثير أسئلة جوهرية وأساسية حول شرعيّته ومن ينفّذه. لأن السجن، كما يقول ميشيل فوكو، هو المكان الوحيد الذي تظهر فيه السلطة في شكلها العاري، في بُعدها الأكثر تجاوزًا، وتبرر نفسها بوصفها سلطة أخلاقية. فلهذه السلطة الحقّ فيما تقرره من عقوبات بما أن السجين مارس سلوكًا ممنوعًا. تجربة السجن هذه، سواء لقضية عادلة أو ظالمة، هي بحد ذاتها، كما ينص فوكو، للمرة الأولى تظهر فيها السلطة ولا تتخفى ولا تتستر ولا تتقنع. وإنما تظهر بوصفها طغيانًا شاملا ومنتشرًا في أدق التفاصيل، طغيانًا فجًّا. وخاصّة أنه مُبرَّر تمامًا، ما دام يستطيع أن يتشكّل داخل أخلاق ومبادئ تؤطر عمله وممارسته وتجعله شرعيًّا ومطلوبًا. فطغيان السجن هذا يظهر بوصفه هيمنةً هادئةً للخير على الشر، والنظام على الفوضى. أو هذا ما يدعيه السجن.

يحصُل هذا في كل اعتقال، بنفس القدر فيمَن كتبَ قصيدة وقال رأيًا أو فيمن قتل بريئًا، تُثير تجربة السجن هذه أسئلة عند هذا المعتقل وذويه ومحيطه الاجتماعي: من الذي يجب أن يكون في السجن؟ وما هي المبررات؟ ما الهدف من العقوبة ونظام العقوبات في النظام القائم؟ هل للسلطة التي مارسته الشرعيّة في ممارسته؟ وهل هو تحقيق للعدالة؟ تُثار هذه الأسئلة في كل المحيط الاجتماعي الذي يرتبط بهذا الفرد المُعتقَل، أسرته وأقاربه وأصدقائه وكلّ مَن يعرفه من قريب أو بعيد.

-2-

في حالة الاعتقالات على خلفية جرائم جنائية، أو القضايا التي يدرك الجميع تبرير وجود العقوبة عليها: القتل، السرقة، الاعتداء، الفساد،.. إلخ، يأتي أولًا حضور سُلطة الكلمات فيتحوّل الحديث عنه من كونه (اعتقالًا) -الكلمة التي تحيل دائمًا للممارسة التعسُّفية- ويتم استبدالها بكلمة (توقيف) أو (حكُم بالسجن)؛ وتأتي ثانيًا المبررّات والأجوبة على تلك الأسئلة بشكل مُقنِع ومرضٍ لدى هذا المحيط الاجتماعي كلّه، إلى حدٍّ ما. ولا يبقى إلا مجرد التعاطُف. فإقناع ابن السجين الذي قتل، بأن والده ارتكب جريمة أضرت بالمجتمع واعتدت على حقوق آخرين ولا بدّ من عقوبته عليها، يصبح أمرًا سهلًا ومبرّرًا أخلاقيًّا. لا يمنع هذا من أن أسئلة جديدة ستولد عنده، من باب التعاطف أيضًا لا من باب الوعي الحقوقي، تبحث عن حقوق هذا السجين، في المحاكمة العادلة، وفي معاملته بكرامة، وتوفير متطلباته، و.. إلخ. ويبدو حضور هذا “الإقناع” ضروريًّا ليُعطي “الشرعيّة العقلانية” لمنفّذه.

-3-

هناك حالة أخرى من الاعتقالات تُثار فيها تلك الأسئلة لكن بلا أجوبة “مقنعة”. ذلك أنّ خلفية المعتقل فيها لا تُعدّ كأيّ شيء مما ذُكِر؛ فهو قال رأيًا، أو كتب مقالًا، أو وقّع على بيان، أو شارك في مطالبة علنيّة بإصلاحات يؤمن بضرورتها. أو ربما ليس شيئًا من هذا كله؛ فهو معتقل فقط لأن هناك أمرًا مجهولة أسبابه صدرَ باعتقاله، ولم تُقدّم السلطة التي نفّذت هذا الاعتقال أيّ تبرير له سواء بمحاكمة عادلة أو ببيان واضح بجرائمه.

في حالة اعتقالات كهذه، أعني المتعلّقة برأي أو محض اشتباه أو حتى بلا أي تبرير، تبدو فيها كل تلك الأسئلة بإجابات غير مُقنعة. يجعل هذا من تلك الأسئلة هاجسًا، وتتحوّل قضية المعتقل، القضية التي كان يؤمن بها، أو قضية الاعتقال نفسها، تتحوّل إلى قضيّة متفشّية في كل هذا الوسط الاجتماعي الذي كان يحيا فيه هذا المعتقل. أريد أن أتحدّث قليلًا عن هذا التفشّي، مستفيدًا هنا من بعض أفكار جيمس سكوت، في كتابه: «المقاومة بالحيلة، كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟».

-4-

بنظرة إلى حالة المجتمع السعودي، وباستعراض حسابات تويتر المتزايدة المهتمّة بقضية الاعتقال، وهذه الحسابات رغم تأثيرها المحدود على تويتر، إلّا أنها تعكسُ واقعًا عمليًّا يتشكّل وينمو، (لنتذكّر مثلا: اعتصامات بريدة والأعداد التي خرجت إليها والتغطية التي حصلت عليها في تويتر -سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مطالب هذه الاعتصامات-)، ما يُمكن ملاحظته يمكن كتابته على النحو التالي: داخل المجتمع الكبير الذي يقع تحت هيمنة ورقابة السلطة، ينشأ مجتمع صغير بعيد قدر الإمكان عن أعينها، مجال اجتماعي يوفّر قليلًا من «الأمن النسبي»، يضم إليه من يثق فيهم ويرتاح لهم، يُتاح داخل هذا المجتمع الصغير لهذا الخطاب أن يعبّر عن نفسه بحريّة، أتحدّث عن خطاب وراء الأبواب المغلقة، والمقاهي والاستراحات والجلسات الخاصة. كلما ظهر للعلن أكثر فأكثر يخفّف هذا الخطاب من حدّته ويضعه في قوالب أكثر قبولًا وملاءمة لدى السُّلطة، أو يقول بصراحة ما يريده فيمَ يُفهم من قبل السُّلطة أنه تحدٍّ لها.

نمَط العلاقات الذي يسود في هذا المجتمع هو شعور متوحّد بالاضطهاد، والظلم، والرغبة في التغيير، يكوِّن هذا الشعور ما يُسمّى “ذاكرة احتجاجية” لا تُنسى، ولهذا المجتمع ما للمجتمع الكبير من تنوُّع واهتمامات مختلفة، لكنّه يتوحّد على أهداف ومصالح مشتركة ربما لا تكون حتى مُدرَكة بشكل دقيق. فهذا التوحُّد ليس برنامجًا حزبيًّا أو مشروعًا سياسيًّا، بقدر ما هو قضية الظلم نفسها. يجذّر هذا الشعور السائد كراهية تتكثّف عبر الصّمت والتورية في العلن، ورغبة في الانتقام والثأر والغضب مستترًا.

في فصل بعنوان: «توفير حيّز اجتماعي لثقافة انشقاقية تحتيّة»، من كتابه المذكور، يحدّد جيمس سكوت «الجمهور/ مستمعي الخطاب المستتر» كحلقة تضم الأقارب والأقربين والأصدقاء والجيران وزملاء العمل والرفاق. «فالرفاق إذ يعانون من المذلّة نفسها، أو -وهذا أسوء- يكونون عرضة لأساليب السيطرة نفسها، يكونون ذوي أهمية مشتركة في خلق خطاب الكرامة والرفض والعدالة بصورة مشتركة. وهم يمتلكون، بالإضافة إلى هذا، مصلحة مشتركة في إخفاء حيّز اجتماعي يكون بعيدًا عن رقابة أصحاب السيطرة، ويمكن فيه للخطاب المستتر أن يُصاغ وسط مكان آمِن نسبيًّا». «فالكرامة، تُعتبر، وفي الآن عينه، مُعطى شديد الخصوصية وشديد العمومية».

وبالنسبة لسكوت، فهذا الرفض يستنِد إلى ما تمّ تسميته في علم النفس الاجتماعي «نظرية رد الفعل» المستمدّة من النظرية الكلاسيكية للعدوانية: «تنطلق نظرية رد الفعل من الإرهاص القائل بأن ثمّةَ رغبةٌ بشريّةٌ في الحصولِ على الحرية والاستقلال، وأن هذه الرغبة حين تجد نفسها تحت وقع التهديد باستخدام القوة ضدّها، تقود صاحبها إلى رد فعل معارض». ثم يُلاحظ أن حدّة ردة الفعل هذه، يمكن أن تكون أخفّ بكثير لو كان هناك ثمّة «إقناع» مُصاحب لذلك التهديد يُعطيه صفة معقولة.

-5-

يتحوّل هذا الاضطهاد كهُويّة لهؤلاء المضطهَدين، فهُم يعرّفون نفسهم كـ«أسر المعتقلين» و«مناصريهم»، وتُصبح علاقاتهم مع السلطة علاقات: نحنُ وهُم. نحنُ الذين اعتُقِلَ فردٌ “منّا”، وهُم الذين نفّذوا ومارسوا هذا الاعتقال وآذونا في حريتنا وكرامتنا. يتغذّى هذا الشعور بالاضطهاد بكل أدبيّات الحرية والقانون وتحقيق العدالة. لا يرى نفسه مضطرًا إلى ثقافة سياسية عميقة وتكوين رُؤى واضحة، فقضيته في بادئ الأمر هي قضية الاعتقال وحسب، لكنّ مرور الوقتَ وعناد السلطة وعدم استجابتها سيجعله يُطوّر رؤاه السياسية ويتمسّك بما يؤمن به أكثر، وتتجاوز رؤاه السياسية قضية الاعتقال إلى قضايا غيرها.

يبني نظامه وقيَمه ومفاهيمه الأخلاقية الخاصة به، فالأكثر شجاعة هو من سينُاكِف هذه السلطة أكثر، والأكثر فعالية هو من سينشر وعيًا في المحيط الاجتماعي أكثر بهذه (القضية)، والخائن هو من سيتحالف بأي شكل من الأشكال مع هذه السلطة، ولو كان هذا الوسط الاجتماعي متديّنًا، فسيجد كل النصوص الشرعية التي تحثّ على إقامة العدل ورفض الظلم والجهر بالحقّ وما إلى ذلك.

يُلاحظ هنا أن كل هذا لا يؤصّل لحالة حقوقية بقدر ما يؤصّل لغضب ساخط ورغبة في تحقق كل ما من شأنه سيدفع لاحترام كرامتهم وكرامة المعتقل الذي لهم، فهو هم شخصي ورغبة منطلقة من هذا التعاطف لا من نظرية في الحقوق والسجن. يختلف هذا الأمر مع اعتقالات الأفراد الذين كان الاعتقال بحد ذاته قضيتهم (في السعودية، يمنك أن نتذكر محمد البجادي، وليد أبو الخير، كمثاليْن)، وكانت كلماتهم مُلامسة لمشاكل يشعر بها الكثير. فبالنسبة لأفراد كهؤلاء، يتجذّر لذويهم ومعارفهم الإيمان بالقضية التي كانوا يحملونها، أو على الأقل يُعرف أكثر السبب الذي اعتُقِلوا لأجله. يُشاهد مثلًا هذا الازدياد بالاهتمام بالقضايا التي تدخّلت السلطة فيها عند انتشار المقالات التي يُعتقل على خلفيتها صاحبها أو يُوقف من الكتابة وعدد المشاهدات التي يحققها.

-6-

لكل هذا كان معقولًا جدًّا لموقف د. عبد الله الحامد ود. محمد القحطاني عندما كان جزءًا كبيرًا من مشوارهم المطالبة بأن تُصبح محاكمتهم «علانية»، فهُم على دراية بمآلهم وسجنهم في النهاية، لكن، كما يقول جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984» عن مواقف ولحظات اليأس: «إن كان هنالك ثمّة أمل، فهو يكمُن في عامّة الشعب»، -ونخطئ حين نقرأ هذا الأمل باعتباره: التخريب أو التحريض أو الرغبة في الثأر، فهو أقرب إلى الوعي وولادة الحس الوطني الجديد-. كان المقابل الذي نالَوه هو أن يخرُج الخطاب «المستتر» إلى العلَن. أن يعرف عددٌ أكبر قضيتهم. أن يعرف مواطنون عاديون وبسطاء جدًّا القضية التي كافحوا لأجلها والمطالب التي طالبوا بها.

نحن أمام واقع اجتماعي في طور التشكُّل، لا أحد يُدرِك عُمق الأبعاد التي قد يأخذها في المستقبل، ولو سألنا: من صاحب القرار؟ من الذي يُصدِرُ قرارًا باعتقال فلان وفلان؟ كيف يتمُّ أمرُ الاعتقال نفسه؟ ربما بالإجابة على هذه الأسئلة -بقدرٍ من التبسيط- نعود إلى أسماء قليلة تأخذ مواقعا مختلفة داخل السلطة، تتأثّر قراراتهم بالثقافة السياسية لهم ومدى إدراكهم للواقع بقدر ما تتأثّر بمزاجهم اليومي وجودة كوب القهوة. والخطورة دائمًا أنّ هذا التفاوُت البيروقراطي الذي لا يرى الأثرَ الداخليّ والمستقبليّ لقراراته، يجعل الأمور تتراكم وتتعقّد أكثر.

قال الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية: «نحن، في المملكة العربية السعودية، نعتقد بضرورة الإصلاح السياسي، لكن يجب أن يكون بالتدرّج، وفيًّا لمطالب شعبنا، وأن يحمي نسيجه الاجتماعي» [صحيفة الحياة: 25/02/2005]. في الحقيقة، «حماية النسيج الاجتماعي» مفهوم مركزي في بنية أي دولة، لكن السؤال: متى كانت نتيجة الإصلاح السياسي سلبية تجاه النسيج الاجتماعي؟ وما المفترض فعله تجاه واقع يجعل الإصلاح السياسي هو وسيلة الاستقرار و«حماية النسيج الاجتماعي»؟ وما طبيعة هذا التدرُّج الذي نسمع به؟ لا أحد من الإصلاحيين المسجونين حاليًا يُريد شرًّا بالسُّلطة السياسية أو هو على درجة من الثوريّة بحيث يتمنّى تغييرًا جذريًّا لكامل الهرَم أو يشجّع على خطوات تفتح الأبواب على المستقبل المجهول. وهنا يكمن فرق أساسي بين الإصلاح الذي ينطلق بمطالب محددة من داخل النظام أو الثورة التي تريد إسقاط النظام كاملًا والبحث عن نظام بديل.

-7-

يمكن أن ألخّص ما أريد قوله هنا في أن فعلَ الاعتقال التعسفي فيما هو سلوك سلطوي يخلُق بالضرورة هُويّة متطرّفة مضادّة لمنفّذيه، وإن وجود هُويّة كهذه لا يمكن أبدًا أن يُنشئ حالة وطنيّة ينسجمُ فيها الجميع. وإنه حينَ تنعدمُ المبررات للاعتقال والاقتناع بضرورته؛ يتوالَد الشعور بالظلم وينمو داخل وسط اجتماعي كلما ازداد كلما كان الغضبُ الذي يكنّه أكثر ويأخذ أشكالًا عدّة يعبّر بها عن هذا الغضب ويسهل انجرافه لأفكار تدميرية وفوضويّة وغير مسؤولة. وإن تأخير وتهميش المعالجة الحقيقية لملف الاعتقال أو لملف سجن الإصلاحيين ليست هي لا في مصلحة هذه القضايا نفسها ولا هي في مصلحة الوطن الذي نعيش فيه ويهمنا أمنه ولا هي في مصلحة «النسيج الاجتماعي» الذي تريد كل دولة أن تُبقيه محميًّا، وإن الاستهتار بتراكم الغضب على السلطة من ذوي المعتقلين وأسرهم يقود دائمًا إلى ما قد يفلت من السيطرة أو يرسّخ كراهية متّسعة لا يتمناها أي مُحب حريص لهذا الوطن.

وأقولُ أخيرًا ما يفتتحُ به كل صباحٍ على تويتر الأستاذ عصام بصراوي: الإصلاح أسهل الخيارات، وأقلّها كلفة.

«داعش» وبؤس محاولات فهمها

«داعش» وبؤس محاولات فهمها

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 01/07/2014.


من 10 يونيو 2014 حيث سيطرت «الدولة الإسلامية في العراق والشام- داعش» على الموصل، وداعش هي الخبر الأوّل والأهم في محطّات الأنباء. وفي 22 يونيو حيث سيطرت أيضًا على مدينة الرطبة، القريبة من الحدود الأردنية والسعودية، أصبح نقاش وتحليل وفهم تنظيم داعش هو الموضوع الأكثر طرحًا على الساحة.

وكذلك أيضًا بعدما أُعلِن من قبل مجلس الأمن الوطني السعودي برئاسة الملك عبد الله في 26 يونيو باتخاذ «الإجراءات اللازمة لحماية مكتسبات الوطن وأراضيه»، حيث بدا للجميع مدى جدّية الأمر -فهذا المجلس لا تُعقد جلساته إلا في أوقات طارئة قليلة ولهجة البيان قريبة جداً من المادة 61 من النظام الأساسي للحكم والتي تنص على أن الملك هو «من يعلن حالة الطوارئ، والتعبئة العامة، والحرب».

أصبح السؤال المُلح في مثل هذا الظرف الحرج: «من هؤلاء وما الذي يجب علينا فعله تجاههم؟ ولماذا ذهب بعض أبنائنا إليهم؟»، «نحن» كدولة ينتظر من صنّاع القرار فيها قولًا حاسمًا، و«نحن» كمجتمع وإعلاميين ومثقفين وشخصيات عامّة يجب أن نقدّم دورًا وطنيًا وقراءة ووعيًا بالأحداث.

عدة فرضيّات لتحليل وفهم دوافع داعش طُرِحَت في الوسائل الإعلامية المختلفة طوال الفترة الماضية، ومن قبل دخولها للموصل. أُريد هنا مناقشة فرضيّتين من هذه الفرضيّات:

1- داعش مرتزقة مشتركين في مؤامرة وراءها النظام السوري والإيراني.
في الحقيقة، فرضيّة أن «داعش» تخدم النظام السوري هي فرضيّة واقعيّة جدًا، فقط من حيث إنها تُتيح للنظام السوري أن يقول: «انظروا ما البديل؟». وهذا الجانب هو ما يركّز عليه من يتبنّى هذه الفرضيّة. (مثلاً: مقال: من صنع داعش؟، إبراهيم معتوق عساس، صحيفة المدينة 29/6/2014. ومقال: من صنع داعش؟، د. عبد الله القفاري، صحيفة الوطن 28/10/2013).

يُعفي نفسه هذا الطّرح من تقديم أي أدلة أو مادة حقيقيّة تثبت هذا التواطؤ المزعوم. والطريقة التي اتّخذتها داعش في قتل قادة الصحوات العراقية وأفراد النظام العراقي الذين تمكّنوا منهم، والتهديدات التي أطلقتها والدُّول التي تخطّط للاستيلاء على أراضيها، تتعارض تمامًا مع أي مصالح إيرانية أو سورية في المنطقة مهما كانت الصورة التي تتركها داعش خادمة لهم.

جدير بالذكر أن هذا الطّرح كان يُدخل المخابرات العراقية في مؤامرة «صناعة داعش»، باعتبار أن نظام نوري المالكي هو عنصر ثالث مستفيد من وجود داعش بالإضافة إلى إيران وسوريا، لكن التطورات الأخيرة لتنظيم داعش تجعل من هذه الفكرة سخيفة جدًّا؛ فلا أحد يمكنه أن يصف ما يحصل باعتباره خادمًا للنظام العراقي.

2- «داعش» مشكلة فكريّة مرتبطة بالمنهج الوهابي.
مؤخّرًا، نشر أحد أفراد تنظيم «داعش» على تويتر صورة كتاب «التوحيد» لمحمد بن عبد الوهاب مطبوعًا على نفقة التنظيم وعليه شعارها بحيث يُدرّس هذا الكتاب. أمرٌ آخر جعل الرّبط بين «داعش» الآن و«محمد بن عبد الوهاب» سابقًا، هو تشابه السرديّة التي تقول: «أتى ليخلّص المجتمعات من الشرك والجهل والانحراف عن دين الله وتوحيد المسلمين ورفع راية الإسلام».

تحمل هذه الفرضيّة بُعدًا يبدو حقيقيًّا من حيث التشابه في الأصول والمرجعية المشتركة وخطاب البدايات رغم التجليّات المختلفة. لكنّ المشكلة حين يتحوّل هذا الرّبط إلى «تفسير لوجود داعش». التركيز على الجانب الفكري المكوِّن لداعش هو تفسير للحلقة الأضعف في حقيقة وجودها الآن. رؤية ما يحصُل الآن من قِبَل داعش بوصفه «انحرافًا فكريًّا» يعني تجاهُل كل الاعتبارات الأخرى. والنظرة إلى الحركات الجهادية بوصفها «أفكارًا» ممتدّة من فتاوى ابن تيمية ورسائل وكتب محمد بن عبد الوهاب هو عين اللاواقعية في التحليل وتجاهل كل تعقيدات الحاضر. البُعد الفكري له أهميّة واعتبار، لكنّه وحده لا يُنتِج حركة وتنظيم مثل داعش.

تذكّرنا عمليّة الاختزال هذه بما حدث بعد 11 سبتمبر 2001 في ساحة الجدل السعودي وقتها «الصحف والمنتديات الإلكترونية»، حيث تمّ توجيه أصابع الاتّهام مباشرةً للوهابيّة. والفارق الآن: أن داعش وخطورتها أمرٌ أكثر جديّة بكثير من محاولة البحث عن أيّ وسيلة لتوظيفه في صراع تيارات داخليّة. توظيف «داعش» أو غيرها في صراع واختلاف التيارات أمر طبيعيّ جدًّا، كلّ حدث في العالم من الطبيعي أن يتم استحضاره أثناء الحديث عن مشكلة فكرية مرتبطة به. لكن المشكلة هي في محاولة إيجاد أي وسيلة لضرب تيار معيّن مهما كانت هذه الوسيلة تختزل عوامل معقّدة عدّة في بُعد واحد.

تمتدّ هذه الفرضيّة إلى إلقاء اللوم على كتُب التراث واستحضارها. وهنا يمكن لنا أن نقف على مثالين:

1- نجد مثلًا الكاتب محمود جمال، يكتب في 23 يونيو في «دوت مصر» مقالًا بعنوان: «رحلة البحث عن داعش» يقول فيه: «يبدأ الطريق إلى داعش من المكتبة». واصفًا كتُب التراث الإسلامي والنظرة التقديسيّة لها بأنها تدفع إلى استقلال الطائرة إلى العراق أو سوريا «أملًا في حصد أكبر عدد من الأرواح، بمساعدة رفاقك في داعش». مستندًا على بعض روايات البخاري وسيرة ابن هشام وغيرها من المصادر.

2- والمثال الآخر: الأستاذ فهد الشقيران في مقاله في 29 يونيو في الشرق الأوسط «داعش.. حشاشون بلا قلاع»، فبالنسبة له «صيغ الدم والاحتلال والمباغتة والقتل، وثقافة الدماء والأشلاء» هي «امتداد فكري للتنظيمات “الانشقاقية” التي تركز على مبادئ الانفصال والتحرك بالفراغات والافتيات على الأزمات»، وأن “الأصولية الإسلامية” «تجمعها خطوط كبرى على مستوى الأيديولوجيا والدوغمائية في التفكير والمبادرة الدموية في التنفيذ؛ لهذا أصبح استحضار حالة “الحشاشين” معتادًا في الدراسات التي تتعلق بالإرهاب والخلايا القتالية العنيفة».

ثم يختم مقاله بأنّ «تعقيدات الحدث السوري والتخلي الغربي عن المنطقة» له أكبر الأثر في إعادة إنتاج أتباع هذه الحركات «الأصولية». وإن قلعة «آلموت» للحشاشين وساحة الموصل الآن لداعش تستند على «بنية أصولية دموية» واحدة، وأنّه من العبث أن نتحدّث عنها بوصفها «إرهابًا طارئًا» أو «ثقافةً دخيلةً»؛ فهي موجودة من قبل.

بلا شكّ أنّ تفسير وجود داعش، ومن قبله تنظيم القاعدة، يحتاج للكثير من البحث والحذر، وأول خطوة منهجية في أي محاولة تفسير لظاهرة اجتماعية؛ النظر إلى كلّ أبعادها. وتنظيم مثل داعش، يشكّل البُعد التُراثي أو الفكري فيه بُعدًا واحدًا فقط من أبعاد متعدّدة قابلة للبحث والتفكير.

من هذه الأبعاد المرتبطة بفهم داعش أو الحركات الجهادية بشكل عام: مشكلة استقلال الدولة العربية وتبعيّتها للغرب والنفوذ الغربي فيها؛ الاستبداد وعُنف الدولة وعلاقته بالتحوُّل من الحراك السلمي إلى العنف المسلّح؛ دور الدول العربية في القضايا ذات البُعد القومي مثل: فلسطين سابقًا والآن وسوريا؛ الاندماج الاجتماعي في الدولة العربية؛ الإسلاميون وأفكارهم وتأثيرهم في المجتمع وموقف الأنظمة العربية منهم… وغيرها من الجوانب التي لا أتجرّأ أن أدّعي حصرها أو أتحدّث بلغة وثوقية يقينيّة من أثرها، فضلًا عن تجاهلها واختزالها في المكوِّن الفكري التراثي.

كيف ينتج العنفُ مزيدًا من المقاومة؟

كيف ينتج العنفُ مزيدًا من المقاومة؟

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 23/06/2014.

-1-

في آخر أيام الحرب العالمية الثانية، وقّعت وفود 50 دولة على «ميثاق الأمم المتحدة» والذي ينص في المادة الثانية منه على امتناع الموقّعين في علاقاتهم الدولية عن «التهديد باستعمال القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة». وفي المادة 51 من الميثاق ينص على أن هذا الميثاق لا ينتقص «الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة». كثيراً ما تُذكر هذه المواد بوصفها تُعطي مشروعيّة وتبرير للمقاومة المسلّحة، وإن كانت المقاومة بطبيعة الحال لا تحتاج إلى هذا التبرير.

عوامل كثيرة جداً جعلت العلاقة بين العُنف والمقاومة تعود في أبسط صورها إلى الفكرة الأكثر قدما في سلوك الإنسان: الفعل ورد الفعل. ومن هنا أتساءل: هل ينجح العنفُ في القضاء على المقاومة وفرض إرادته؟ وماذا لو أنتج العنفُ مزيداً من المقاومة وألهم حماسها أكثر؟

والعنف الذي أقصده هنا بمعنيين: 1- العُنف الداخلي للنظام الاستبدادي، كان هذا العنف عبارة عن: التخويف والترهيب من نقد الدولة أو الاعتقال التعسفي أو التمييز العنصري أو التجريم غير المعقول لأفعال معيّنة أو أي شكل من الأشكال التي تدخل في قائمة الانتهاكات والاضطهادات. 2- العُنف الآتي من الخارج من نظام مُحتل أو استعماري، من تهجير وتشريد ومساس بالاستقلال السياسي واتخاذ كل الأساليب الممكنة من قتل وتعذيب واعتقال لتحقيق ذلك.

ألا يجب مراعاة الفوارق بين هذين النوعين وعدم اعتبارهما شيئاً واحداً؟ بالتأكيد يجب الإبقاء على قدر من التمييز النظري والعملي بينهما. فالاختلاف بين دلالة مفردتَي «احتلال» و «استبداد»، يشير بدايةً إلى مصدر القوّة «داخلي» أو «خارجي» ومن حيث التبرير «توسُّع واستيطان وحماية مصالح» أو «تحقيق الأمن الداخلي». أما التشابه فهو في جوهر عمل القوة المنفّذة وآليات الاستجابة لها «المقاومة». قديماً، لاحظ الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704) أن «من يستخدم القوة بدون حق، يضع نفسه في حالة حرب مع أولئك الذين يستخدم القوة ضدهم». وتلاحظ كذلك حنة أرنت (1906-1975) في مقدّمة كتابها «في الثورة» مدى التشابه في حالتَي «الحرب» و«الثورة» وكيف يشكّل العنف قاسماً مشتركاً بينهما.

-2-

نلاحظ في عبارة لوك قوله: «بدون وجه حق»، تبدو هذه الإضافة مهمة جداً. وفي تعريف ماكس فيبر الشهير للدولة بأنها «الكيان السياسي الذي يملك حق احتكار العنف المشروع»، فكلمة «المشروع» هي الموازية -رغم اختلاف التفاصيل- لعبارة لوك «بدون وجه حق». لا يمكن للعنف والتسُّلط أن يتواجدا إلا مصاحباً لهما تبريراً يضيف صفة مشروعية ومعقوليّة لهذا العنف.

ما هو العنف «المشروع» و«الغير مشروع»؟ تأخذ هذه الأسئلة أجوبتها من طبيعتها التداولية بين الناس وفقهاء القانون والهيئات العليا، لكن «المستبد» أو «المحتل» يروّجان الرواية التي تُظهر الجميع على توافق معهم في تحديدهم لما هو «مشروع».

من شأن هذا أن يولّد لدى طبقة تحتيّة من الناس مساحاتهم الخاصة لمناقشة «المشروع» و«الغير مشروع» وتحديد أطراف الصراع  التي يجب دعمها وما الآليات المفترض اتّخاذها للمقاومة.

-3-

هناك وجهتَين نظر حول سؤال نجاح أو فشل العنف في تحقيق إرادته.

تقول وجهة النظر الأولى: أن «العنف» هو الخيار الذي اضطرّت إليه سُلطة «المستبد» أو قوة «المحتل» لمنع خطر محتمل وتحقيق أمن داخلي. وأن هذا العُنف يُمارس لا رغبةً ولا حباً فيه، وإنما في سبيل تحقيق مصلحة وطنيّة. وأن أقل قدراً من الحاجة إليه هو ما يُمارس، فهو الوسيلة الوحيدة لمنع أسبابه والقضاء على الأفكار الإرهابية «للمقاومة». فهو في الأخير سينجح في تحقيق الاستقرار المنشود.

وتقول وجهة النظر الثانية: لا ينجح «العنف» أبداً فهو دائماً يخلُق مزيداً من المقاومة والإصرار على القضية. وأنه بقدر ما يزداد تزداد حدّة المقاومة. وأن النتائج اللحظيّة للعنف ونجاحه هو فترة مؤقّتة تسبق عاصفة جديدة.

ادّعاء النجاح الدائم للعنف يتجاهل فكرة «إلهام المشاعر والإصرار على القضية»، وبقدر ما يدّعي أنه «واقعي» يتجاهل اعتبارات هي في صميم الواقع. وادّعاء الفشل الدائم للعنف هو تفكير رغبوي ويتجاهل أن الآلام التي يحدثها العنف قد تكون حقيقيّة جداً وطويلة الأمد. وأن التاريخ لم يسجّل أسماء كل المناضلين والمقاومين والأبطال. وأن بعضهم سُحِقوا تماماً.

-4-

وبعيداً عن مناقشة التبريرات، من ناحية استراتيجية، نعَم قد ينجح العنف والتسلُّط في القضاء على المقاومة. لكن لا يحصل هذا إلا بشروط منها: الثقة والتقدير الاستراتيجي لعدم إنتاج هذا العُنف مزيداً من المقاومة وعدم إلهامه مشاعر أعضاء المقاومة. ومنها: تقديم الأجوبة المعقولة على سؤال شرعيّة العنف. ومنها: إدراك ووعي بطبيعة أفكار مجتمع المقاومة وعدم تغذيته وخلق «قضايا» جديدة له. من الأمثلة على نجاح العنف والتسلُّط: نجاح القبضة الأمنية لألمانيا النازية في القضاء على المعارضين -مجموعة «الوردة البيضاء» كمثال- وغيرهم من آلاف الأسماء المنسيّة الغير مدوّنة.

لكن كيف يُنتج العُنف مزيداً من المقاومة؟ جين شارب صاحب الكتب المشهورة في المقاومة اللاعنفية، يتحدث عن ما أسماه «الجوجيتسو السياسي» بقوله: «عندما يتعرض الناس للقتل والضرب فإن ذلك يولّد عملية عكسية، حيث تستعمل قوة الخصم المفترضة لإضعافه من خلال تنفير المزيد من الناس من دعم ذلك النظام. وحشد المزيد من الناس في المقاومة الفعلية».

يخلُق الموت، القتل على يد النظام، حالة توحُّد لدى الشريحة الشعبية المعارضة له. كان مقتل الشاب «خالد سعيد» المُلهم الأول لتوحُّد الكثير من قوى المعارضة في مصر. وبعدما قُتِلَت «ندا آغا سلطان» الشابة الإيرانية في مظاهرات 2009، تضامن الكثير من الإيرانيين معها وأصبحت رمزاً للمقاومة. كذلك قضية «محمد الدرة» حيث ظهرت بشاعة الجيش الإسرائيلي خلقت موجة غضب في أنحاء العالم العربي. ونفس الشيء من الممكن أن يُقال عن «الاعتقال» على أن احتمالات تمدّد قضية الاعتقال وإلهامها لمشاعر المقاومة أضعف. رغم ذلك، كان اعتقال «نيلسون منديلا» في جنوب أفريقيا وقت حكم التمييز العنصري، مُلهماً للمقاومة ونقطة انطلاق موجة جديدة من أعمال التخريب والثأر.

-5-

قام الدكتور يورجن تودينهوفر النائب في الحزب المسيحي الديموقراطي بألمانيا، بعدّة لقاءات قام بها في مدينة الرمادي بالعراق مع أفراد من المقاومة العراقية بعد الغزو الأمريكي، وسجّل تلك المقابلات وتحليله لها في كتابه: « لماذا تقتل يا زيد»، يذكر مثلاً عن «زيد» أنه «لم يعد يمارس عملاً من أعمال المقاومة» بعد سنتين من محاولته عدم الانخراط في العنف، وبعد سقوط أخواه وعمه ضحية لغارة أمريكية، «إلا وأجساد الضحايا وحطام المساجد أمام عينيه المليئتين بالدموع». ويذكر مثلاً أن من أسباب صعود الإسلام المتطرف في العراق وظهور طالبان «أن لهما علاقة وثيقة بوحشية وغباء الحروب الغربية ضد الإرهاب». وأن «بن لادن وأحمدي نجاد هما أفضل من يُقدِّم لجورج بوش الذرائع الأساسية في خطبه، والعكس بالعكس، فالواجب علينا أن نضع نهاية سريعة لهذه اللعبة القاتلة».

وفي حديث إدوارد سعيد عن المقاومة الفلسطينية يصف دور إسرائيل خلال العقود الأخيرة بأنه «لم يكن على أي صلة بتحقيق الأمن لنفسها». ويذكر سبب ذلك حقيقة «أن الناس لا يستسلمون إذا ما كانوا يتعرّضون للضربات. إنهم في الحقيقة يتماسكون على نحو أكثر إصراراً وعناداً».

لا تبدو عبارة: «العنف لا يولِّدُ إلا مزيداً من العنف» ترفاً من القول، فهي وصف حقيقي وواقعي لسياسات تحتكر تعريفها للعنف وتعرِّف ما هو سلمي بالإرهاب فتولِّد إرهاباً مضاداً. دائرة مغلقة لا خروج منها إلا بمراجعات صادقة واعتراف بالجرائم المرتكبة.

السخرية بوصفها مقاومة سياسية

السخرية بوصفها مقاومة سياسية

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 16/06/2014.

كان التفكير الفلسفي في ماهية «الكوميدي» منذ القدم، ومنذ سقراط، المشهور هو نفسه بالتهكم، كان أول مَن لاحظ هذا التشابه الذي يقع أحيانًا بين الكوميدي والتراجيدي. هذا التشابه الذي جعل الكاتب الأمريكي الساخر جيمس ثيربر يرى أن أقرب شيء إلى الفكاهة، هو المأساة. بهذا الارتباط بين الكوميدي والتراجيدي؛ كانتَ السخريةُ دائمًا فعلَ تمرد؛ بحيث تتيح للموقف الجاد أن يجد مكانه في قلب الموقف الساخر، مضحكًا ومبكيًا في آن معًا.

في السخرية يظهر الإنسان عبقرية الترميز لديه، الرموز التي يصنعها ليجعلها تحمل الرأي الحقيقي الذي يريد أن يقوله، أو تضع يدها على مواضع ما ينبغي تصحيحه. فيلجأ إلى هذا «الترميز»، إلى تغليف رأيه بأقنعة لغوية أو كاريكتارية أو أي شكل من الأشكال، عبر ذكائه في استغلال المُتاح لاختراق الغير مُتاح، توظيف المسموح للنفاذ إلى المناطق المحرّمة الممنوعة. والهدف من هذا دائمًا إحراج السلطة التي وسّعت من مساحة الممنوع وتحرّم مساءلتها والحديث حول ما يمسها ويبرر قراراتها، كانت هذه السلطة متشكّلة على أساس قوة سياسية أو طبقيّة أو اجتماعية أو دينية. ومن هنا، فالسخرية لا تتضمن فقط إتاحة المساحة الكافية للمكبوت أن يظهر ويقاوم الضغوطات الخارجية، بل تتضمن أيضًا ذكاءً في الشكل الذي تظهر به.

وحيث إن شبكة العلاقات التي تنشأ في كل مجتمع تتفشّى فيها «السُّلطة» بشكل خفي وظاهر، فلا شكّ أن أنواعًا من السُّخرية المضادّة لها كثيرة ومتنوّعة جدًّا. وبعض أنواع السخرية الموجّهة للذات وللإنسان نفسه، هي لغرض السخرية نفسه والضحك لا أكثر. ولكن ما أريد الحديث عنه هنا هو نمط آخر مختلف، وهو «السخرية السياسية».

أوّل ما يميّز «السخرية السياسية» أنها موجّهة سياسيًّا. فهي تختلف عن السخرية المقصود بها إضحاك الناس والتندُّر اليومي على الأحوال المعيشية. ومن هنا، يعلّق الأديب غسان كنفاني على هذا النمَط من السخرية بأنه ليس «تنكيتًا ساذجًا على مظاهر الأشياء، ولكنها تشبه نوعًا خاصًّا من التحليل العميق». فهي تحمل مضمونًا يتعلّق بالنظام القائم والسياسة الواقعة في بلد أو آخر.

وثاني ما يميّز «السخرية السياسية» أنها أكثر حريّة. ورغم أن نظريّة فرويد في الضحك والسخرية معرّضة لكثير من الانتقادات، على أن وصفه للنكتة يبدو دقيقًا جدًّا عندما يصفها بأنها «تتفادى القيود، وتتخطّى العقبات، وتفتح في وجهنا أبوابًا للبهجة كانت موصدة دوننا. فهي تتيح لنا استغلال ظاهرة مضحكة في خصمنا لا نقوى على كشفها جادّين متعمّدين لما يعترض سبيلنا من عقبات».

وثالث ما يميّز «السخرية السياسية» أنها أكثر أمانًا. فهي متخفّية ومن الصعب محاصرتها سواء محاصرة وسيلة تداولها أو محاسبة مضمونها. فهي تسعى لأن يبقى ظاهرها الذي يمكن المحاسبة عليه في إطار القانون المسموح به. فهي «النص المفتوح» بلغة رولان بارت، القابلة للتأويل في أكثر من اتّجاه بحسب المتلقّي، مع ملاحظة أن «النص» هنا بالمعنى العام وليس الشكل الذي قد تتّخذه.

ورابع ما يميّز «السخرية السياسية» أنها تخلُق شعورًا بالوحدة بين من يتداولها. يأتي هذا الشعور نتيجة أنها أكثر أمانًا. فطالما هي تسير في إطار المُتاح، هناك قابليّة أكثر لتداولها في الوسط الذي يؤمن بمضمونها ويفهمه في نفس الوقت الذي يريد أن يسلُك فيه طريقًا لا يعرّضه لخطر العقاب ومخالفة القانون. وعادةً ما تكون هذه الشريحة هي الأوسع. يعزّز من تضامنهم تداولهم واتفاقهم على نفس المضمون رغم سائر الاختلافات التي بينهم. ولأن «السخرية السياسية» تمسّ علاقة الحكّام أو أصحاب السُّلطة بالمحكومين؛ فهي بالضرورة تخلُق هذا التباين وتجعل الحاجة إلى توحُّد القوى في الحلقة «الأضعف» أكثر وضوحًا.

يحمل التراث العربي نماذجَ كثيرةً من السخرية السياسية؛ فالكثير من النكت المنسوجة حول «جحا» مرتبطة بتيمورلنك الحاكم المغولي، كما يلاحظ ذلك خالد القشطيني الذي جمع الكثير من نماذج السخرية السياسية في كتابه «السخرية السياسية العربية» المطبوع عام 1988، استقراءً لنماذج السخرية في التراث ووصولًا إلى التاريخ العربي في القرن العشرين.

مصر من بين البلدان العربيّة هي الأكثر شهرةً باتّخاذ هذا النمط من السخرية. ومما لاحظه الشاعر المصري كامل الشناوي قديمًا أن النكتة كانت «هي السلاح السري الهدام الذي استخدمه المصريون ضد الغزاة وقوى الاحتلال، كانت المخرّب الذي خرق قصور الحكّام واقتحم حصون الطغاة، فأقلق راحتهم وملأ قلوبهم رعبًا».

وفي محاولته لتفسير حب المصري للنكتة، يحيل السبب المفكّر المصري عبد الوهاب المسيري إلى «التجربة التاريخية الطويلة التي جعلت المصري يعيش كثيرًا من التناقضات ولحظات الانتصار والانكسار ويشعر بالقوة والعجز». الأمر الذي جعل المصري «قادرًا على تطوير رؤية فلسفية قادرة على تقبل التناقضات وتجاوزها من خلال النكتة. وإن كان هذا لا ينفي أيضًا مقدرته على التجاوز من خلال الثورة».

وهنا، لا بدّ من ملاحظة أن استطراد المسيري الأخير حول أن النكتة لا تنفي قدرة المجتمع على تجاوز الأزمات بالثورة، استطراد مهم جدًّا. فحتى لا نُبالغ بتقدير دور السخرية في المقاومة، فهي شيء مختلف عن الحَراك الاجتماعي والشعبي. وإن كانت عاملًا لا يتجزّأ منه. السخرية توفّر حيزًا للمقاومة وتخلُق أرضًا خلفيّةً لها، لكن تحت أوضاع سياسيّة واجتماعية معيّنة من الممكن أن تتحوّل هذه «السخرية السياسية» إلى عادة يومية، بحيث يصبح التندُّر والضحك وتداول النكات هو أكثر ما يمكن فعله. وقد يستمرّ هذا الحال لعقود.

ثمّة كتُب ودراسات كثيرة حاولت جمع ودراسة النكت وأنماط السخرية السياسية في ثورة «25 يناير»، سواءً التي تداولت في وسائل التواصل الاجتماعي أو كُتِبت على جدران الشوارع أو رُفعِت في اللوحات التي شاركت في المظاهرات. ورغم كل هذا، يبقى الجانب النظري في مفاهيم السخرية وأثرها سواءً في المجتمع أو في المقاومة السياسية؛ مجالًا غير مطروق كثيرًا لا عربيًّا ولا غربيًّا.

هل يحمل السيسي رؤية ديموقراطية لمصر؟

هل يحمل السيسي رؤية ديموقراطية لمصر؟

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 09/06/2014.

من الفترة التي سبقَت 30 يونيو 2013، وتُعَد شخصية المشير عبد الفتاح السيسي من أكثر الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي وصناعة القرار بمصر، ولم يظهر بعدها سوى في الحديث الجماهيري الرسمي وامتنع عن أي ظهور إعلامي باستثناء حوار خصَّ به أحد صحفيّي الواشنطون بوست في أغسطس 2013. وبعد ما أعلن ترشُّحه للرئاسة، بدايةً من يوم 4 مايو 2014، بدأَ في الظهور الإعلامي ليجيب على الأسئلة المُحاط بها بصفته مرشّحًا للرئاسة، وإن كان لا يخلو أي لقاء من اللقاءات من أسئلة توجّه إليه بصفته «رئيسًا» أصلًا، في خطأ إعلامي واضح سبّب إحراجًا للكثير.

المفردات واللغة التي تحدّث بها السيسي كانت امتدادًا لرسالته التي كتبها في 2006 باللغة الإنجليزية بعنوان: «الديمقراطية في الشرق الأوسط» للحصول على زمالة كلية الحرب الأمريكية العليا. ولم تُنشَر الرسالة وتُترجم إلا خلال السنة الماضية بعد ظهور اسمه وتكثّف الاهتمام بأفكاره. وهنا أحاول قراءة بعض أفكاره في رسالته تلك مع لقاءاته الإعلامية خلال الشهر الماضي.

-1-

أول ملاحظة من مُجمل حوارات السيسي الإعلامية: حضور مركزيّة عاليّة جدًّا للدولة، والتي ستُترجم في مشاريع الحكومة، في نسيج المجتمع. فهو في حواره مع «الفنانين» ومع «الإعلاميين» ومع «الأدباء والمثقفين»، يشرح لكل منهم دوره «الوطني» الواجب عليه القيام به، ودوره في تقديم المضمون الملائم للمرحلة، وخطّة السيسي لقيادة المرحلة القادمة التي ينتظر من كلٍّ منهُم دوره في دعمها «للنهوض بمصر». «المرحلة» التي يصفها بالاستثنائية الشديدة والحرِجة في مواجهة الإرهاب والمؤامرات.

وعلى سبيل المثال: فهو يوجّه الإعلاميين في لقائه الجماعي معهم بوصفهم «أصحاب مهمة قومية»، وأن وسائل الإعلام تتحمل هذه الفترة «المسؤولية أمام الوطن»، وأنّهم «الظهير الفكري» لهذه المرحلة. بينما يقول في رسالته في 2006 واصفًا حكومة أحمد نظيف في عهد حسني مبارك وقتها بأنها «تمارس هيمنة مفرطة على وسائل الإعلام التي لا تقدم دورًا مسؤولًا لصالح المجتمع ككل»، وأنه إذا ما وُجد الفساد في الحكومة «فإنه على الأرجح سيبقى طيّ الكتمان، وهكذا سيتوهم عموم الناس أن حكومتهم صالحة وتسهر على رعايتهم كمواطنين». ويقول فيها بصراحة: «على مَن يتولّى السلطة أن يستعد للتخلي عن الهيمنة على وسائل الإعلام».

والسؤال هنا: هل حكومة السيسي ستكون مستعدّة للتخلي عن الهيمنة على وسائل الإعلام كما طالب هو بذلك سابقًا؟ من المبكّر الجواب على هذا السؤال، ولكن، وحيث إن السيسي يتبنّى مفهومًا كلاسيكيًّا في العلوم السياسية: «التنشئة السياسية» وأدواتها من «تعليم» و«إعلام» و«دور عبادة» -يذكر دائمًا «دور العبادة» بهذا اللفظ المستخدم في الكتب-، وأن مفهوم التنشئة هذا له انحيازاته الأيديولوجية، كما لاحظ خلدون النقيب أن وظيفته «أن تتعلم الطبقات الاجتماعية أن التمرد والثورة مكلّفان ماديًّا ونفسيًّا». بهذه الحيثيات كلّها، يبدو من الصعب جدًّا أن يتحقّق ذلك الاستقلال -المطلوب في أي حكومة ديموقراطية- في أيٍّ من تلك المجالات.

-2-

وثاني ملاحظة: تتعلّق بفهمه لدوافع الإرهاب والتفجيرات الإرهابية، وحيث إن السيسي كان هو من وجّه الأمر في 14 أغسطس 2013 لفض اعتصامي النهضة ورابعة، ومن 3 يوليو حتى ذلك التاريخ كانت نسبة أخبار الانفجارات الإرهابية أقل بكثير مما تلا أمر فض الاعتصام.
بينما في رسالته في 2006 يقول بصراحة إنه عندما تصبح الحكومات متسلطة على نحو مفرط، «فإن من يشعر بالقمع قد يردّ عبر الأعمال الإرهابية». قال هذا في سياق وصفه لحال الزعماء الدينيين الذين يتخطون حدودهم في نقد الحكومة في وقتها، واصفًا الحال بأنه: «غالباً ما يكون مصيرهم الزج بالسجون دون محاكمة. فتلك الحكومات التي تدّعي الديمقراطية تمتلك سلطة مركزيّة مشدّدة، وتؤثر تأثيرًا ظالمًا على المخرجات الإنتخابية من خلال التحكّم في وسائل الإعلام والترهيب الشامل».

والسؤال هنا: هل سينجح السيسي في عزل الإخوان المسلمين ومَن معهم عن الحياة السياسية كما يؤكّد دائمًا؟ -ويبدو أن المقصود بالحياة السياسية: الحياة البيولوجية أصلًا-، وأين ذهبت رؤيته سابقًا حول دور التسلُّط الحكومي والقمع في خلق المزيد من العُنف والإرهاب؟ بلا شكّ، إن الملف الأمني في مصر والتفجيرات الإرهابية جديرة بالتعامل بحزم وانتباه، وإن الاستهانة بمطلب «الاستقرار» قلّة وعي بشروط أي حياة اجتماعية. لكن السؤال الذي يبقى دائمًا: «استقرار» بأي معنى؟ لا تبدو خطوة إعلان الحرب على حزب كالإخوان المسلمين له تاريخه والمكوّنات الاجتماعية المتعاطفة معه، خطوة نحو تحقيق «استقرار». أما الطريقة التي نُفِّذَت بها هذه الخطوات، فلم تستوفِ أيّ مبدأ من «مبادئ الديمقراطية» سواً من ناحية احترام حقوق الإنسان أو توفير المحاكمة العادلة، أو غير ذلك من الاعتبارات.

-3-

وثالث ملاحظة: نسيان تامّ لمطالب الفاعلين في ثورة 25 يناير وأسبابها وأثرها على شريحة متّسعة من الشباب. ومظاهر هذا من عدّة نواحي:
فمن ناحية: لا يُدرك السيسي -أو يتناسى- عُمق الرواية التي رُوِيَت بها 25 يناير في نفوس «الشباب». فهي رواية مرتبطة جدًّا -مع عدم تجاهل المسببات الأخرى- بقصة خالد سعيد وانتهاكات الشرطة له حتى الموت، وسلسلة الاعتقالات وقانون الطوارئ. فالمشكلة الأولى هنا مرتبطة بالشرطة ووزارة الداخلية.

ومن ناحية ثانية: القضاء الذي حظرَ حركة 6 أبريل وحكمَ على العديد من هؤلاء «الشباب» بالسجن بتهم مثل: «التحريض» و«التخريب» وغيرها، إلى أن جاءت مؤخرًا تهمة ملائمة أكثر: «التظاهر بدون تصريح» بعد تقنين ذلك عبر «قانون التظاهر».
فمن ناحية الشرطة: يستحضر السيسي ثنائية «الأمن والحرية»، واضعًا «الأمن» الآن في أعلى الأولويات، معلنًا -في لقائه مع زينة اليازجي- أن تطوير أدوات جهاز الشرطة وتحسين كفاءة أفراده وتدريبهم من أولويّات مشروعه.

ومن ناحية القضاء: عندما أشارت الإعلامية زينة اليازجي حول محاكمة «الشباب الثوّار» وأنها أمر يُثير القلق، اعتبرَ هذا السؤال أمرًا «يقدح في عدالة القضاء واستقلاله».

فالقضاء في وجهة نظر السيسي مستقل وعادل، وعند «الشباب» هو ذراع انتقامي للنظام القديم. والشرطة في وجهة نظر السيسي مؤسسة أمنية عريقة وتحتاج إلى تطوير أدواتها، وعند «الشباب» هي الطرف الذي ثاروا عليه وأعلنَوا عليه التحدّي باختيار يوم عيده 25 يناير. هذه وتلك -وغيرها من النواحي- توضّح المسافة الفاصلة بين السيسي و«الشباب الثوّار»؛ وهي نفس المسافة التي جعلَت السيسي يقول عندما سُئِلَ عنهم: «أقدّم لهم التحية والتقدير» و«لم أعرف كيف أصِل لهم».

-4-

نشرَت «وطن نيوز» قبل أسبوع من بداية الانتخابات مقدّمة رسالة «الرؤية الانتخابية» التي كتبها السيسي بنفسه، وفيها يركّز على الهموم الاقتصاديّة والأمنيّة لمصر، وحجم المديونية، ومشروع تأسيسي لدولة عصرية، وأنه يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات وحياة ديمقراطية سليمة، وتداول سلمي للسلطة، وفصل بين السلطات، و«احترام حقوق الإنسان وحرياته على الوجه الذى يكفله الدستور المصرى».

عبارات كهذه لا يتمنى أحدٌ أن لا تنجح وأن لا يراها متحقّقةً في وطنِه، ولكن تراكمات الذاكرة لا ترحم ولا تبعث على نفس التفاؤل الموجود لدى محبّيه. والأيّام كفيلة بكل شيء.

«قادة الرأي» على الإنترنت.. نحو مفهوم جديد.

«قادة الرأي» على الإنترنت.. نحو مفهوم جديد.
نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 02/06/2014.
كثيرًا ما يبدو الحديث عن تأثير الإنترنت والتكنولوجيا على حياتنا حديثًا ذا نفس أسطوريّ يعتمد على سحر الكلمة والقدرة البلاغية. وأصبحت هناك كلمات مناسبة لصياغة هذا الخطاب مثل: «عصر المعلومات» و«القرية الكونية» و«الثورة التكنولوجية»؛ بحيث أصبح هناك «فخّ» ملازم لمن يقدّم طرحًا في موضوعٍ مرتبط: أن لا يتحوّل طرحه هذا إلى معروض هجاء محتكري المعلومة والاتصال، أو إلى مغازلة التكنولوجيا الجديدة، أو إلى التكرار.
في الحقيقة، لم يكن لهذا «النفس الأسطوري» أن يأخذ قدرته هذه على ترسيخ نفسه إلّا بالاستناد إلى معطيات حقيقيّة جدًّا: قُدرة التكنولوجيا على تسهيل التواصل والتفاعل واكتساب المعلومة خارج وسائل التواصل الرسميّة المُراقبة والمُتحكَّم فيها. هذا الامتياز وغيره بلا شكّ قدّم للبشريّة نمَطًا تواصليًّا فريدًا. لكنّ هذا «الانبهار» يجب أن يبقى في محلّه وحيّزه خاليًا من كل الأوهام التي تُنسَج حوله.
الحديث عن أثر التكنولوجيا في المجتمعات كان حاضرًا بشدّة في القرن العشرين، ولا زال يُناقش على مرّ العقود السابقة.
لكنّ هذا الملف أُعيد فتحه من جديد وبقوّة بعد انتفاضات الربيع العربي في 2011. فلا أحد يُنكِر دورَ وسائل التواصل الاجتماعي فيها: صفحات على «الفيسبوك»، وفيديوهات على «اليوتيوب»، ومغرّدون على «تويتر»، كان لكلّ ذلك دور فاعل في نزول الكثير من الجماهير إلى الشارع في مصر وتونس واليمن وغيرها.
وبمرور الوقت، أصبح هناك اهتمامٌ خاصّ بنمَط جديد من البحوث والدراسات يركّز على أثر وسائل التواصل الاجتماعي في التغيير الاجتماعي والسياسي في «العالم العربي» أو «دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». وأدّى إلى ظهور الفكرة المألوفة التي تُقال في هذا السياق: «كما أن دول العالم العربي لا توفّر حريّةً ومجالًا عموميًّا للنقاش والمشاركة السياسية، فكان من الطبيعي جدًّا أن تلجأ شعوبها إلى وسائل التواصل الاجتماعي لإيجاد البديل المناسب».
تبدو هذه الفكرة واقعيّة جدًّا لأوّل مرة، لكن في ظل واقعية هذه الفكرة، ننسى أحيانًا أسئلةً سابقة على هذه الفكرة: هل يُعد الإنترنت فعلًا «مجالًا عموميًّا»؟ وهل له دائمًا هذه القدرة على إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي؟ وهل هو بديلٌ أو مُشكِّلٌ «للرأي العام»؟ وهل طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي هذه هي المُشكِّلة لهذا «المتمرّد» أم أنّها مجرّد حاضن له؟ وهل الحضور العربي عليها فريد من نوعه أم أنه يشمل دولًا أخرى خارج المنطقة العربية؟ لا تحظى هذه الأسئلة بالبحث والتفكير الكافي فيها، خاصّةً عربيًّا.
هذا جانب في تناول هذا الموضوع لا بدّ أن يُؤخذ بعين الاعتبار، وأن يبقى قريبًا حتى لا نقع في أوهام إيمان مُبالغ به في قدرة التكنولوجيا. والجانب الآخر الذي أريد تناوله هنا: تشكيل وسائل التواصل الاجتماعي لمفهوم جديد لـ«قادة الرأي».
يُعد مفهوم «قادة الرأي» من المفاهيم الأساسية في العلوم الإعلامية، بصفتِه يُحيل إلى مجموعة الأفراد المشكّلين للرأي العام والمؤثّرين عليه. تطوّر هذا المفهوم مع عصر الاتصال الجماهيري ووسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية.
هناك تغيّرات كثيرة لا بدّ أن تطال هذا المفهوم، وهي نتيجة لتغيّر في نمط التواصل التكنولوجي المُتاح الآن، من حيث إتاحته أولًا لفرصة الظهور لأيّ شخص؛ وثانيًا للتفاعل مع صاحب الرأي؛ وثالثًا لكون هذا التفاعل فوريًّا ولحظيًّا.
يلاحظ المفكّر الموريتاني السيد ولد أباه في مقالتِه «الثوار العرب الجدد» في صحيفة الاتحاد في فبراير 2011 أنّ من نتائج انسداد أفق التغيير السياسي للنخب العربية، وأزمات السياسات الاقتصادية: «تغير نموذج “الفاعل الاحتجاجي”»، فهذا الفاعل الاحتجاجي «لم يعد المناضل الحزبي ولا النقابي، ولا أيّ من “الأشخاص المفهوميين” المنتمين للوسائط المنظمة في النسيج الاجتماعي». وإن هذا الثائر الجديد «هو، قبل كل شيء، ذو فردية مستقلة ومتميزة تجسد تفكك وتجزؤ النسق الاجتماعي العربي، ترتبط بغيرها من الذوات عبر شبكات مرنة مؤقتة، لا مركز لها ولا قيادة».
وفي مقالة كتبتْها الباحثةُ الفرنسية ماري بينيلد، في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في فبراير 2011، أشارت إلى إمكان استخدام مفهوم غرامشي الشهير «المثقف العضوي»، بحيث يُعدّ «ناشطو الإنترنت» هم هؤلاء «المثقفون الجدد»؛ «فهم الذين حوّلوا معركة التغيير إلى المجال الثقافي عبر كشف الأكاذيب والخدع التي تستخدمها القوى المهيمنة سياسيًّا وثقافيًّا»، بحسب ترجمة نهى خلف في كتاب «ظاهرة ويكيليكس – المركز العربي للأبحاث».
«الفاعل الاحتجاجي الجديد» عند ولد أباه، و«ناشطو الإنترنت»، هي كلّها مصطلحات تُشير إلى نموذج جديد يتشكّل من «قادة الرأي» وساحتهم هي وسائل التواصل الاجتماعي بكل ما تتيحه من إمكانيات.
هل معنى هذا أنني فعلًا أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي تعكس «الرأي العام»؟ أجيب على هذا السؤال بنعَم، ولا. فمن ناحية، الشريحة غير المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي هي بلا شكّ متّسعة وكبيرة. ولا تزال منظومات الإعلام التقليديّة صاحبة الفضل الأكبر في التأثير على الرأي العام. ومن ناحية أخرى، الشريحة المهتمّة بالشّأن العام والمُستتبعة لقادة الرأي؛ هي أيضًً شريحة متّسعة ومؤثّرة وتروّج الرأي. ومنظومة الإعلام التقليدية لا تستغني أبدًا عن وسائل التواصل الاجتماعي، وتعمل بكل جهودها لاحتضان نجومها والحديث عن المتداوَل فيها؛ بحيث أصبح من العادي جدًّا أن نجد نسبة لا بأس بها من الأخبار على وسائل الإعلام التقليدية بدأت أحداثها على وسائل التواصل الاجتماعي.

تبدو أحداث عام 2011 قادرة ومؤهّلة على صنع إضافات مهمّة لمفاهيم العلوم الإنسانية، وخاصّةً في مجال علم الاجتماع؛ فغير مستبعد أبدًا أن نجد بمرور الأيام مؤلّفين عرب وأصحاب كفاءات مساهمين بقوة في مجالات غير مطروقة كثيرًا مثل: علم اجتماع الثورة، علم اجتماع الإعلام. وعلى هذا أيضًا لا أستبعد أن يتم تطوير مفهوم جديد لـ«قادة الرأي» أكثر قربًا من الطبيعة التواصليّة الجديدة.

مصر بين «25 يناير» والثورة المضادة.

مصر بين «25 يناير» والثورة المضادة.
نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 26/05/2014.
بدأت الدعوة إلى النزول في ميدان التحرير في 25 يناير بوصفها تحرّكاً شعبياً واحتجاجات ومطالب، لم يكُن واضحاً في البداية أنّها ثورة، حصل هذا كثيراً، الكثير من الثورات على مرّ التاريخ لم تكتشِف أنها ثورة إلا بعد أشواطٍ من بدايتها. كانت الدعوة إلى النزول في الميدان من قِبَل صفحة «كلنا خالد سعيد»، الصفحة التي قامت على إثر مقتل خالد سعيد الشاب المصري الذي قُتِلَ من قبل أجهزة الأمن. والتي اختارت يوم 25 يناير والذي يوافق عيد الشرطة، بما يرمز إلى إعلان تحدٍّ للمؤسسة الأمنية.
هذا هو أهمُّ المبادئ التي قامت عليها الثورة، بالإضافة إلى السياسات الاقتصادية والفساد وتدهور الأوضاع المعيشية، كان التعذيب والاعتقال العشوائي وكل ممارسات الأجهزة الأمنية التي استمرّت طوال الثلاثة عقود التي حكَم فيها حسني مبارك شرارة التحرُّك الشعبي. فما الذي حصل؟
أعلن عمر سليمان في 11 فبراير تنحّي حسني مبارك، كان هذا الإعلان هو بداية سياسة جديدة ستّتخذها المؤسسة الأمنية في سبيل بقائها. فالذي قدّم هذا الإعلان هو رئيس المخابرات وكان وقتها نائباً لرئاسة الجمهورية، فهو من قلب النظام ومن قلب المؤسسة الأمنية. لم يكُن هذا الأمر واضحاً في البداية في وسط الفرحة التي عمّت الثوار. لكنه بدأ يتّضح في الفترة الانتقالية خلال حكُم المجلس العسكري بعد 11 فبراير، والتي لم تختلف سياستها في أي شيء، وحينها بدأ يظهر الهِتاف الجديد «يسقط يسقط حكم العسكر». وبدأ يظهر مصطلح «الفلول» كصِفة لمن كان ينتمي إلى نظام حسني مبارك.
حصلَت الانتخابات الرئاسية في 2012 وكانت هنا ضربة جديدة أصابت الثورة، بقيَ المرشّحون للرئاسة بين «أحمد شفيق» المنتمي بالكامل لمنظومة النظام القديم، و«محمد مرسي» مرشّح الإخوان المسلمين. تولّى الرئاسة الإخوان المسلمين بطريقة الاستئثار والتفرُّد بالسُّلطة ولم يكونوا على قدر مسؤولية تحقيق مطالب 25 يناير. إلى أن جاء 3 يوليو 2013 حيث أعلن عبدالفتاح السيسي إنهاء حكم محمد مرسي وتسليم الجمهورية للرئيس المؤقّت عدلي منصور وتنفيذ «خارطة الطريق».
طوال هذه السنوات الثلاث، لم يحصُل أي تغيير حقيقي يطال المؤسّسة الأمنية في مصر، الجيش والشرطة وأمن الدولة. وبعد ما كانت المطالب موجّهة ضد جهة واحدة: النظام القديم ومؤسساته، تمكّنت الدعاية الإعلامية من شيطنة الإخوان المسلمين وتصوير المؤسّسة الأمنية بوصفها المُنقِذ الوطني لمصر وظهور الكثير من رموز النظام القديم على الساحة مرّة أخرى. وهذا بالضّبط ما يسمى «الثورة المضادة»، فـ«الثورة المضادة» لا تستنِد إلى القوة السلطويّة وحدها، بل تدّعي لنفسها «شرعيّة» مستمدّة من الشارع، الشارع الذي سريعاً ما قال بعد 3 يوليو: «إحنا شعب وإنتو شعب».
«الثوّار» و«النشطاء» مصطلحات تُطلَق على الشباب الذين كانوا في صميم حراك 25 يناير وأوّل الداعين والمبادرين إليها، وتعرّضوا للاعتقالات والتعذيب ووثّقوا ورصدوا الانتهاكات التي حصلت لهم أو لغيرهم، وأكثر ملامح هذه الشريحة أنّهم بلا قيادة وبلا حزب موحّد يضمّهم ولكلّ منهم اتجاهاته السياسية التي يلتقي أو يفترق فيها مع الآخر ولذلك يصعب الحديث عنهم بوصفهما «شيئاً واحداً». لا ينتموا إلى الإخوان ولا ينتموا إلى النظام القديم. خارجين عن هذه «الثنائية» سواءً في انتماءاتهم أو في تحليلهم للوضع القائم.
كان هؤلاء «الثوّار» في البداية هُم «نجوم الثورة» الذين تتسابق الأجهزة الإعلامية على إجراء المقابلات والحوارات معهُم، لكن بمرور الوقت سُمِحَ لنفس الأجهزة الإعلامية أن تُروّج صورة عن هؤلاء «الثوّار» بوصفهم: «شلة عيال» أو «عملاء وخونة» أو «سُذّج لا يدركون مسؤولية تصرّفاتهم». مثال ذلك: حملة التشويه التي تعرّض لها وائل غنيم والمكالمات الملفّقة عليه.
الآن، وفي هذه الفترة الانتقالية، تبدو ملامح عودة «النظام القديم» وتصفية الحساب مع «ثورة 25 يناير» أكثر وضوحاً. خاصّةً بعد إعلان «قانون التظاهر» الذي يشلّ بشكل كامل أي حراك شعبي خارج عن إطار ومركزيّة المؤسسة الأمنية. وفي سبيل مقاومة «تقنين القمع» هذا كانت هناك عدّة تحرُّكات لهؤلاء «الثوّار». فهناك حملة «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين» وحملة «الحرية للجدعان» و«يسقط قانون التظاهر».
مؤخراً، في 26 أبريل 2014 قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بحظر «حركة 6 أبريل»، الحركة التي كانت من أكثر الفاعلين تأثيراً خلال أحداث «25 يناير». ومؤسّس الحركة «أحمد ماهر» في السجن من نوفمبر 2013. وأعضاء من «حزب مصر القوية» وأعضاء من «حركة كفاية» والكثير الكثير من المُعتقلين الآن وآخرهم: ماهينور المصري. والتي نُظِّمَت حملات تضامنية كثيرة معها، أدّت إلى المزيد من الاعتقالات والمواجهة مع رجال الأمن. يتجاهل الإعلام كل هذا رغم أنها في فترة حكم الإخوان كانت تمثّل الأخبار الرئيسية، وكانت تمثّل الحدث الأول في أيام «25 يناير» الأولى.
لا يبدو الأمر بهذه البساطة، فشاب مثل الصحفي «محمود بدر» مؤسّس حركة تمرُّد، والذي كان أيضاً أحد الفاعلين المؤثّرين في «25 يناير»، كان واضحاً من بداية حضوره إلى مجلس إعلان عبدالفتاح السيسي عزل مرسي، تأييده ودعمه لـ«خارطة الطريق» وهو الآن رئيس «لجنة الشباب» في الحملة الانتخابية للسيسي. محمود حالة فقط وهناك الكثير غيره سواءً من «ثوّار/ نشطاء» أو «إعلاميين»، ممّن شاركوا في «25 يناير» وهتفوا بـ«يسقط يسقط حكم العسكر» في فترة رئاسة المشير طنطاوي للمجلس العسكري، وأصبحوا الآن مؤيّدين ومبرّرين أو صامتين عن القبضة الأمنيّة على الإخوان ورفاقهم من النشطاء.
قبل عدّة أيام، أعلن «مركز بيو للدراسات» عن نتائج استطلاعات رأي يجريها بشكل دوري في مصر، منها: أن شعبيّة الجيش تراجعت من 73% خلال السنة الماضية 2013، إلى 65% في هذه السنة 2014. يبدو هذا التراجع في الشعبية بطيئاً. لكنّه يبدو لي كمؤشّر على بطؤ التغيير الذي سيحصُل والذي سيوحّد شريحة «الثوّار» وسيكون عاملاً لدفع موجة ثوريّة جديدة؛ في ظل استمرار ممارسات المؤسسة الأمنية والترشُّح المؤكّد لعبدالفتاح السيسي. ولعل أوّل ملامح السعي لبناء هذا التوحُّد في الأهداف «بيان القاهرة» الذي صدر بالأمس (24 مايو 2014) وأعلن مباشرةً حزب «غد الثورة» تأييده له.

رغم أن توحّداً كهذا من الصعب أن يتم في ظلال الانقسامات والتجاهل الإعلامي واتّهام الكثير لبعضهم بالتّنازل عن المبادئ. على أنّ توحُّداً كهذا يبقى هو الأمل في صناعة مصر جديدة لا تنتمي إلى العسكر، ولا إلى الإخوان وتحقّق مطالب ثورة «25 يناير» التي لا نستطيع أن نصفها سوى أنها لا زالت في بداياتها.

ظروف السجن والعقوبات البديلة: خطوات مؤجلة.

ظروف السجن والعقوبات البديلة: خطوات مؤجلة.
نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 19/05/2014.
يحضُر السجن أول ما يحضر بوصفه آلية عقابيّة ومؤسّسة ضبطيّة للمذنبين والمجرمين، والسجن هو في الوعي الاجتماعي سُلطة أخلاقيّة قبل أن يكون سُلطة دولة؛ سلطة أخلاقية تجد مبرّرها في تنفيذ حاجة المجتمع إلى عزل المذنبين ومرتكبي الجرائم وتحقيق النظام وإقامة القوانين المنظّمة للحياة الاجتماعية.
حين سُجِنَ الأديب الروسي دوستويفسكي في القرن التاسع عشر وسجّل تجربة سجنه في روايته «منزل الأموات»، التجربة المريرة التي جعلته يُطلق عبارته المشهورة «نستطيع معرفة مدى حضارة المجتمعات بمجرد أن نتأمل سجونها ومساجينها»، كان يتساءل بحُرقة، بعد أن لاحظ أن المساجين الذين عاشرهم بإمكانهم أن يحبّوا الحيوانات الأليفة ويربّوا الطيور لو تمكّنوا من ذلك متحدّثاً عن أثر تمكين اقتراحه هذا: «لا أعلم فعالية أخرى لها نفس التأثير على السجين من حيث ترقيق طباعهم المتوحشة وتهذيب نفوسهم الفظة، لا أدري لماذا لم يُطبَّق هذا لدينا!».
فكرة «تربية الطيور والحيوانات الأليفة بغرض تهذيب النفوس» تبدو فكرة حالمة وخالية من أي بُعد واقعي، إلا أن المثير للاهتمام في هذا الاقتراح هو ما لا يقوله: الحاجة إلى إعادة التفكير دائماً في المؤسّسة السجنيّة وآلياتها.
ثمّة أسئلة كثيرة طُرِحَت للمناقشة والتداول بعد ما يُنظَر له على أنه فشل المؤسسة السجنيّة في تطبيق أهدافها الإصلاحية، وبعد تفشّي «ظاهرة العودة إلى الجريمة» وكل الدراسات التي أحاطت بها. هل السجن هو الحل الأمثل أم أن هناك حلولاً أخرى؟ ما الهدف من السجن وما هي آليات متابعة تحقيق تلك الأهداف؟ كيف يمكن تفادي الآثار السلبيّة للسجن المترتّبة على مخالطة السجناء؟ يعبّر مثلاً عن هذا القلق وزير العدل النيوزلندي فِل جُف في 2004 بقوله: «على المدى البعيد، سيتبين أن السجون وحدها غير كافية لتقليص معدّل الجريمة، حيث سيتطلّب الأمر كذلك التفكير في أسبابها وسبل مواجهتها».
على خلاف ذلك يبدو تداوُل هذه الأسئلة في العالم العربي ضرباً من الرومانسية والخيال وسريعاً ما يُفهَم من تداولها أنه سعيٌ ساذج لإلغاء السجون وفتح لأبوابها، وإن كان من نقاش فلا بد من أن يكون حول تحسين ظروف السّجن لا حول فكرة السّجن نفسها. هناك عدّة أسباب لرسوخ هذه التصوّرات تجاه هذه الأسئلة منها: صعوبة أو استحالة مساءلة المقصّرين في إدارات السجون ومحاسبتهم، صعوبة توفُّر شفافية كافية في المعلومات الرّاصدة لأوضاع السجون، وصعوبة توجيه ضغط إعلامي مستقل للحديث عن هذه القضايا، اليأس أو الإحباط من أن تتلاشى كل هذه الصعوبات هو في المقام الأوّل المسبِّب لغضّ النظر عن أسئلة جدوى السجن.
أدّت هذه الحالة إلى نشوء عدّة اتّجاهات تُقدّم اقتراحاتها في سبيل إصلاح المؤسّسة السجنيّة ومراقبة أداء العدالة؛ وهنا أريد مناقشة اثنين من هذه الاتجاهات وعرضها. وهي تستنِد إلى التذكير بأن وظيفة المؤسسة السجنيّة إصلاحيّة أولاً وليست انتقاميّة؛ وتستند كذلك إلى أنها تدخل في حيّز المُمكن تنفيذه، فهي متجاوزة للنقاش حول جدوى السجن نفسه:
1- أوّل هذه الاتّجاهات يُطالِب بتحسين ظروف السجن ومراعاة حقوق السجين وتقديم الرعاية الكافية للمساجين.
أول الاعتراضات التي قد تطال هذا المطلب يقول: «تحسين ظروف السجن سيجعل السجين يستسهل هذه العقوبة ولا يعطي لها أي اعتبار»، رغم أن هذا الاعتراض يحاول أن يبدو «واقعياً» إلا أنه لا يستند على أي تجربة تاريخية أو دراسات تثبته. وهو ينطلِق من تقدير شخصي بحت لا بتفكير جاد ورؤية استراتيجية. بالمقابل قد يقول صاحب هذا المطلب رداً على هذا الاعتراض أنه ثبت في العديد من الدراسات (دراسة Keith Chen و Jesse Shapiro مثلاً) أن سوء أوضاع السجن يزيد من احتمالية العودة إلى الجريمة بعد الخروج منه.
ويسير هذا المطلب بخُطى هادئة محسوبة، ويحيط نفسه بالكثير من الحذر. لأنّ الحديث عن «سوء أوضاع السجون» وتعداد المتطلبات الناقصة سيُفهَم منه مباشرةً تُهَم من قبيل «تشويه سمعة الدولة» و«التحريض» وغيرها. حتى لو لم يكُن صاحب هذا المطلب منخرطاً في أي حراك سياسي.
2- تفعيل وتطبيق نظام العقوبات البديلة. ومن أشكالها: العقوبات المالية، والأساور اليدوية للمتابعة، والخدمة المجتمعية، والخدمة الحكوميّة.
وفي السعودية، كتب الدكتور تركي بن فيصل الرشيد في 2008 مقالاً في جريدة الوطن بعنوان «السجن والحلول البديلة» داعياً فيه إلى تفعيل «الحلول البديلة» وقصر السجن على «الحالات الخطيرة التي يمكن أن يكون لوجودها تهديد لأمن المجتمع». وكان المثير في مقاله نقله عن دراسة سعودية أن 52% من القضاة يرون بأن السجن أفضل وسيلة لمعاقبة المخالفين. ويتفق مع القضاة عدد من الضباط بنسبة 42.35%. رغم أن 71.43% من الاختصاصيين الاجتماعيين يعارضون السجن كوسيلة لعقاب المخالفين.
وفي أكتوبر 2011 نشرت العربية نت عن مشروع العقوبات البديلة الذي تسعى لتنفيذه وزارة العدل. ناقلةً عن مدير عام السجون في السعودية أمله في أن المشروع قد يخفّف من أعباء السجون وانخفاض أعداد السجناء إلى 50 %، مما ينعكس بدوره في التوفير اقتصادياً من ميزانية الدولة. تبنّى الكثير من المحامين التوعية بفكرة «العقوبات البديلة» ولم تتلقّى معارضةً كثيرة ونالت استحسان الكثير. غير أنها لا زالت تنتظر التفعيل الجاد من قبل وزارة العدل. ولا زال «الجلد» هو العقوبة البديلة المحبَّبة.
بلا شك أن مشاريع إصلاح المؤسّسة السجنيّة ومراجعة النُّظُم العقابية تتجاوز هذَين الاتّجاهين، منها مثلاً البرنامج الذي أطلقته البرازيل في 2012 –بغرض تخفيف ازدحام السجون- والذي يسمح للسجين بأن يخفِّف من مدة عقوبته 48 يوماً كحد أقصى كل سنة. وذلك بقراءته 12 كتاباً في الفلسفة أو الأدب أو العلوم، فقراءة كتاب واحد تعادل تخفيف أربعة أيام. والأمثلة كثيرة ومن دول مختلفة من العالم يمكنها أن تصنع سياسات ناجحة للسجن قابلة للتطبيق ومتجاوزة لكل أوهام «خصوصية بلد عن أخرى». لا يتطلّب الأمر سوى أن يؤخذ بجديّة أكثر وأن ينتبه له ضميرُ صاحب القرار.