Mohannad Najjar

Mohannad Najjar's Writings..

Menu Close

Category: ترجمة

هجمات باريس: عن المأساة وتسييسها. – ترجمة مقال

هجمات باريس: عن المأساة وتسييسها.
مقال لـ: سام كريس: صحفي مقيم في لندن يكتب ويدوِّن في Vice ومجلة جاكوبين.
المقال الأصلي: How to Politicize a Tragedy
ترجمة: مهند نجار
نُشِرَ في موقع حكمة

أكتب هذه الكلمات في صباح هذا اليوم، بعد سلسلة من الضربات العنيفة في باريس والتي خلَّفت أكثر من 120 قتيلاً، الكتابة عما حدث ستبدو أمراً قاسياً. وفي هذا الوقت الذي يترنَّح فيه العالم، هناك شيءٌ وحشيٌّ جداً خلف الفكرة التي تقول أنه وقتٌ مناسب لتطالب الآخرين بسماع رأيك «الحصيف». إذا كانت من الوحشية أن تكتب قصيدة بعد إبادات معسكر أوشفيتز، فمن الوحشية أيضاً أن تكتب تأملات فكرية بعد باريس. لا تُسيِّس، لا تستخدم مآسي القتل الجماعي لتتفوَّق خطابياً على خصومك، لا تصرخ: سبق وأخبرتكم، لا تجعل من الجثث لعبة شد الحبل الخاصة بك، لا تجعل من هذه المأساة شيئاً يتعلّق بك، هذه مأساة وليست سياسة.

ووجه الغرابة في هذه المقولات أن الموت هو دائماً سياسي، ولا شيء أكثر وضوحاً في تسييسه من الهجوم الإرهابي. هذه الأحداث حصلت لأسباب سياسية، ولها عواقب سياسية. حسنٌ أن تمتلك رأياً في أوقات السلام، ولو كان هذا الرأي يُشكِّل إحباطاً لدى الكثير، لكن امتلاكك لرأي في وقت الأزمات ضروريٌ جداً. ومن ناحية أخرى، شعورٌ بالتقزّز يتنامى من تعليق البعض على إجراء فرنسا غير المسبوق في إغلاق الحدود، أنهم لو فعلوا ذلك مبكِّراً، «كان يمكن لنا أن نتجنَّب كل هذا». عندما كانوا يثرثرون عن «الخطر العالمي للإسلام والأجانب الذين يقطنون بيننا»، وعندما يعلنون بكل عجرفة أن قوانين تقييد السلاح «تترك السكَّان بلا حماية».

هذه العادة ليست مقتصرة على اليمين السياسي، هناك الكثير ممَّن يُوصفون باليسار أيضاً يستخدمون المذبحة باعتبارها جسر العبور المناسب لاستعراض مثُلهم الأخلاقية. ماذا لو كان المهاجمون بيضاً؛ ألم نكن لنتحدَّث الآن عن الصحة العقلية والجنون؟ ألا تعرفون أن غير المسلمين يرتكبون أعمالاً وحشيّة أيضاً؟ لماذا الآن تُبالون بهذه القضية، دون كل المآسي التي تحصل حولنا في العالم؟ ألا ترون أن كل هذه الجثث موجودة فقط لتثبت لكم أنني كنت على صواب من البداية؟

بالعادة، القليل من الناس يُطالب بألا يعبِّر عن رأيه، لكن خلال السنوات الماضية؛ أصبحنا جميعاً نُطالَب بذلك. أكثر هذه المُطالبات تحصل على الانترنت، فيبدو أنه من الشنيع أن تتحدَّث عن توقّعاتك بالنهايات المأساوية التي قد يتعرَّض  لها المئات؛ في ذات المنصة الالكترونية التي نتحدَّث فيها عن آراؤنا في مباريات كرة القدم والبرامج التليفزيونية. أحد الأسباب لهذا مرتبط بالأسلوب المتبع في هذه الخدمات: خانات فارغة تنتظرِك وتشجِّعك على أن تملأها بالكلمات. أن تشارك بالمحادثة وتُعلِّق. لأنَّك تؤمن بأهمية ما تريد أن تقوله. وفجأة ومن حيث لا تدري، وأثناء مشاركتك وانضمامك للمحادثة، يُقال عنك أنك تقفز على جثث الموتى. وأننا نعبث بأفكارنا في وسط الدماء. فالتعبير عن أي شيء غير الحزن، سيُعَد وحشيّة وقسوة.

وبعد ذلك، لننظر فيما قيل. في ليل يوم الجمعة، وقف الرئيس الفرنسي هولاند بخارج قاعة مسرح باتاكلان، حيث العشرات من الموتى، ليقول: “سوف نُحارِب، المعركة ضد هؤلاء ستكون بلا رحمة”. ستكون هناك مزيدٌ من الحروب، مزيدٌ من الموت والمآسي. وتستضيف المحطات التلفيزيونية الخبراء الذين يصرُّون على أن هذا خطأ المهاجرين والأجانب، كما لو أن اللاجئين جلبوا معهم العنف الذي هربو منه أصلاً. مزيدٌ من القمع، مزيدٌ من الوحشية والمذابح.

الهجمات الإرهابية، وكما نعرف جميعاً، تهدف إلى ضرب الناس بعضهم ببعض، وتكثيف عنف الدولة، وهذا ما حصل تماماً. استجاب الناس على ذلك النحو، وأعلنت الدولة عن عزمها للعنف. وهذا كله تسييسٌ للمأساة. والحديث علناً ضدّه هو كذلك تسييسٌ للمأساة، فهل كلا الوجهين مرفوضَيْن؟

في اليوم الذي سبق هجمات باريس، قام انتحاريِّيْن بتفجير أنفسهما في برج البراجنة، الضاحية الشيعية -في الغالب- من بيروت، وقُتِلَ 43 شخصاً بريئاً. الوكالات الإخبارية مثل رويترز أذاعت الخبر على أنه هجوم على «معقل حزب الله». إنسانيّة الضحايا تلاشت، وبكل قسوة تم اختزال الضحايا في حزب سياسي ربما يدعمه بعضهم وربما لا. لكنّهم لم يكونوا بشراً، كانوا «حزب الله»، كما لو أن المكان الذي هُوجِمَ قلعةٌ مُسوَّرة وليس حياً سكنياً تقطن فيه عائلات. الكثير أبدى رفضه لهذا الاختزال، وهذا أيضاً كان تسييساً للمأساة، فهل هو غير مقبول؟

عندما نقولها بصراحة أكثر، فكرة عدم التسييس تعني أن لا نجعل من موت أحد مرتبط بأي شيء آخر: فالموت لا علاقة له بالقضية التي طالما تبنّيتَها وتهتمّ بها، الموت لا علاقة له بك. لكن، هذا القول بحد ذاته نوعٌ من أنواع السياسة. زِد على ذلك، الإصرار على إنسانية الضحايا هو أيضاً فعلٌ سياسيٌّ. وحيث أصبحت المأساة تتداول في سياق صراع الحضارات، أو كذريعة لإلقاء اللوم على من هم أصلاً ضحايا، يعني هذا أن المأساة سُيِّسَت لأقصى درجة.

هناك التسييس الذي يتغذّى على الموت لأهداف سياسية محدودة، وهناك أيضاً التسييس الذي يرفض أي إملاءات مقرّرة مسبقاً غير السعي إلى التحرُّر. هذا التسييس يركِّز على الطبيعة السياسية للمأساة، وليس بإلقاءها على طرفٍ هنا أو هناك، ولا بالنظر إلى صور الدماء بعدسة اليسار أو اليمين. لأن السياسة هي الحلّ الأمثل للخروج من كل هذا.


المآسي الفظيعة تتطلَّب تضامناً، تضامناً مطلقاً لجميع الضحايا. الإصرار على أن تملك رأياً لا يعني نظرة غير المبالي الذي يعتقد أنه كان على حق منذ البداية. بل التضامن غير المشروط والذي لا يميِّز في مواجهة الدمار. أن تحارب هؤلاء الذين يفجِّرون المقاهي والمسارح، كما تحارب أيضاً هؤلاء الذين يفجِّرون المدُن بالطائرات المقاتلة وبأجسادهم، وهؤلاء الذين تركوا المهاجرين إلى البرد يأويهم على الحدود، وهؤلاء الذين هرب المهاجرين منهم. أن تناضل: أن تناضل النضال المشترك لكل هؤلاء الذين يعانون، ضد المعاناة.

مناظرة ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي: الطبيعة البشرية: العدالة ضد السلطة.

مناظرة ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي: الطبيعة البشرية: العدالة ضد السلطة.

الترجمة، والعمل عليها:
الترجمة العربية الكاملة لمناظرة ميشيل فوكو و نعوم تشومسكي حول [الطبيعة البشرية: العدالة ضد السلطة]. عُرِضَت هذه المناظرة في التلفزيون الهولندي عام 1971 ويدير النقاش أستاذ الفلسفة الهولندي فونز إلدرز. كلاً من فوكو وتشومسكي لديه أفكاراً تركت أثراً كبيراً في حقول الدراسات العلمية والإنسانية. وكلاهما يقف على جهة مختلفة عن الآخر. يتناقشان في هذه المناظرة بسلاسة وتبسيط بحيث يمكن للمشاهد أن يرى بوضوح مواطن اختلاف الفيلسوفَين والطريقة التي يتفاعلان بها مع طرح الآخر والحجج التي يقدّمها.
تمَّت هذه الترجمة على عدّة مراحل بمساهمات مختلفة مني، وفهد الحازمي، وحسين القطان، وراية الردادي. هذه المناظرة ليست كاملة، بمعنى أنه تمّ اقتطاع أجزاء منها من قبل التلفزيون الهولندي لتخرُج بهذا الشكل، يمكن مُلاحظة هذا الاقتطاع من الفيديو، ولكن الأكثر دلالةً على هذا الاقتطاع: النص المكتوب الكامل للمناظرة، والمطبوع في كتاب منشور، والمنقَّح والمزيَّد من قبل فوكو وتشومسكي نفسهم. ولذا، كان اعتمادنا على الترجمة الإنجليزية للفيديو، وعلى نص الكتاب نفسه.
ما الذي أضافته لي هذه المناظرة؟
تشومسكي في غزة لحضور مؤتمر أكاديمي في الجامعة الإسلامية بغزة، 2012.

في الحقيقة، كنتُ -مثل الكثير غيري- لا أعرف عن تشومسكي أكثر من مواقفه السياسية، وأعرف أن لديه مكانةً مُحترمة لدى علماء اللسانيات. اللسانيات! هذا الحقل الذي طالما كرهتُ القراءةَ فيه، وبدا لي عسيراً، فورَ ما أفتح كتاباً من كتُب اللسانيات أجد الكثير من الأمثلة الدقيقة والرسوم والقواعد التركيبية، أُغلِق الكتاب وأقول: لن يقرأ شيئاً مثل هذا غير المختصّين فيه. أقرأ عن مصطلح (التوليدية) والذي كان تشومسكي رائداً فيه، لا أعرف عن هذا المصطلح شيئاً، أحاول القراءة عنه في مصادر أخرى، لكن تبدو لي دائماً أن هناك حلقةً مفقودة تمنعني من الفهم.

فوكو = كشف السلطة، هو ذلك الفيلسوف الذي يضع المجهر على كل التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية فيُريك كيف تتبدّى السلطة من خلالها. بهذه المعادلة وبهذا الاختزال كانت نظرتي لفوكو، ربما أضيف إلى كشف السلطة أموراً من قبيل: فيلسوف نيتشوي، فهمه عسير وأفكاره معقّدة، لكنّها عميقة. عميقة لدرجة لا أحتاج أن أصل إليها، مثله مثل نيتشه الذي يثقُ دائماً أن القليل جداً سيفهمه.
ولكن..
محاولةً مني لأن تكون ترجمة هذه المناظرة مكمَّلة، لها عناية واهتمام خاص، حرصتُ على القراءة لكلا الفيلسوفَيْن طوال فترة العمل عليها، كل هذا في سبيل أن أصلَ إلى فهمٍ أكثر دقة لهما. كانت كلماتهم في المناظرة تُساعدني كثيراً، فهي مبسَّطة إلى حدٍّ كبير، كلام تشومسكي عن (الإبداع) والاستعداد الغريزي لاستيعاب اللغة؛ كانت تشرح بوضوح ما تعسَّر عليَّ كثيراً فهمه.
ميشيل فوكو.. و عوالمه المجنونة!

كلمات فوكو وإصراره على تجاهل (اللحظات الخاصة) للعلماء وأنها تُعطى اعتباراً مبالغاً فيه، واستحضاره مثالاً على ذلك (لحظة تصور نيوتن للجاذبية) ذكّرتني مباشرةً بكل الشغف الذي كنا ندرس فيه لحظة سقوط التفاحة، فوكو يقول: هي ليست مهمة، وهذا النوع من تأريخ العلوم يحتوي على العديد من المشكلات، فوكو مشغول بـ(لاشعور الثقافة)، بما كان مخفياً ومكبوتاً في الثقافة، وكيف أن هذه التحولات العلمية هي تُظهِر شيئاً كان موجوداً وتكبُت شيئاً آخر ظلّ موجوداً كذلك. يقول في النص المطبوع: (يجب على المؤرّخ أن ينظر إلى موضع “شاذ” لكي “يكتشفه”. يبدو هذا كأنه استدعاءً لشكل من “الرومانتيكية” عن تاريخ العلوم: عزلة رجل الحقيقة، الأصالة التي تعيد نفسها على ما هو أصيل في التاريخ وبغض النظر عن ما يبدو عليه).

الجزء الثاني من المناظرة، والذي كان يدور حول الفلسفة المؤسِّسَة للمواقف السياسية لكلاً من المفكِّرَيْن، -ويعني هذا أنه ليس نقاشاً حول المواقف السياسية بحد ذاتها وبشكل مباشر، بل هو أبعد من ذلك إلى الأسس التي تستنِد عليها مختلف المواقف السياسية-، كان هذا الجانب الأكثر تأثيراً فيَّ. بدا تشومسكي أقرب لي كثيراً من فوكو.
أحد النقاط المهمة التي وجدتها في المناظرة، الطريقة التي يفرِّق فيها تشومسكي بين (النظام الأفضل) و(النظام المثالي)، يحمل تشومسكي العديد من الأفكار حول تصوّره للمجتمع والنظام الأكثر عدالةً والملائم للمجتمع التكنولوجي، المميّز هنا: أنه رغم الثقل النظري -في كتاباته- عن هذا المجتمع وذلك النظام، فهو يقر بوضوح أن هذا (النظام الأفضل) لديه عيوبه وأننا بطبيعة الحال محدودينَ بثقافتنا وبهذا الزمن.
نقطة أخرى متعلّقة بالعصيان المدني، يقدِّم تشومسكي مقارنةً معقولة بين فكرة العصيان المدني وقطع أحدنا للإشارة الحمراء ليمنع جريمة قتل، وأن العصيان المدني يحصُل من قبل من يعتقد أن الدولة هي المجرمة. يعني هذا أن تشومسكي لديه أفكاراً (قيميّة) عن ما تكون عليه الدولة وإذا تجنّبته فهي مُخطئة، وكل هذا بتأثير فكرة عن العدالة المثالية. فوكو بالمقابل، ينظر إلى مفهوم العدالة باعتباره احتجاج يُوظَّف دائماً من قبل الطبقة المضطهدة، وأن (العدالة) ليست هي ما توجِّه (البروليتاري) لمناكفة السلطة، بل الحرب التي يخوضها لأنه يريد أن يفوز. وأن هذه القيم حول (الطبيعة البشرية والعدالة وإداراك حقيقة الإنسان) هي قيم تشكّلت داخل الحضارة وشكّلت جزءًا من النظام الطبقي، بالتالي لا يمكن أن تكون قيماً مبدئيّة لتبرير الكفاح الذي يجب عليه أن يطيح بأسس المجتمع.
يبدو كلام فوكو في مآلاته خطير جداً ومرعب، محل الرُّعب فيه: هذه النظرة التي لا تعطي ذلك الاعتبار لقيم إنسانية أسمى. بالنسبة لي، أرى أن قدراً من الإيمان بقيم إنسانية مشتركة لا بد أن يكون حاضراً، وأن شيئاً كهذه القيم هو ما يمنع من استمرار النُّظُم الشمولية والاستبدادية ويساهم في تحرُّر الإنسان سياسياً. لطالما وجدت أن الطرحَ الذي يُعلي من شأن النسبيّة الثقافيّة بين الأمم، والنسبية القِيَمِية، ونقد القيَم الإنسانية المُطلقة، لطالما وجدت أن هذا الطرح جذّاب جداً ومثير للاهتمام من الناحية النظريّة، وغير مسؤول وغير عملي في الناحية العمليّة. أرى أن قدراً من القِيَم الليبرالية حول حقوق الإنسان ضروريٌّ جداً في أي كفاح، مهما بدت هذه القيَم من الناحية النظرية محدودة بثقافة وسياق آخر.
محتوى المناظرة:

يناقش الجزء الأول من هذه المناظرة الخلفية النظريّة لآراء الفيلسوفَين. يتحدّث تشومسكي عن أفكاره عن القابلية الغريزية للإنسان لتعلُّم اللغة، وكيف يساهم الإنسان في صنع اللغة، وعلاقة هذه الأفكار بمفهومه عن الطبيعة البشرية. ويتحدّث فوكو عن الإشكالات التي يراها في أطروحة تشومسكي، ويقارن مفهوم (الحياة) في علم الأحياء بمفهوم (الطبيعة البشرية)، ويطرح مشكلة تاريخ العلم بشكله التقليدي والذي يركِّز على (إبداع) العلماء “الذين اكتشفوا الحقيقة”، في ما يبدو على أنه مخالفةً لتشومسكي؛ قبل أن يوافقه تشومسكي ويوضِّح أكثر فكرته عن مصطلح (الإبداع) واتصاله بالطبيعة البشرية.
الجزء الثاني من هذه المناظرة يدخُل بشكل مثير للانتباه في المواقف السياسية التي يستنِد عليها كلاً من الفيلسوفَين. يتحدّث تشومسكي عن العصيان المدني، والقانون الدولي، والإمبريالية، والقِيَم التي تحرِّكه في الصراع ضد السلطة. في حين يُبدي فوكو ملاحظاته على القِيَم التي تستنِد على (عدالة مثالية) عند تشومسكي ويقرِّر أن الصراع يجب أن يكون تحت مظلة الحرب لا العدالة، وأن (البروليتاري) يبدأ الحرب لكي يفوز بها وليس لأنها عادلة، النقطة التي يؤكّد تشومسكي اختلافه معه حولها مؤكِّداً قيمة العدالة. كما يؤكِّد فوكو على الانتباه لدور المؤسّسات التي تتظاهر باستقلاليتها عن الدولة في حين أنها صُنِعَت للمحافظة عليها، ويضرب أمثلة على ذلك: المؤسسات التعليمية، مؤسسات الوعظ والرعاية والطب النفسي.

ترجمة وثائقي: The Internet’s Own Boy: The Story of Aaron Swartz 2014 ابن الإنترنت البار: قصة حياة آرون سوارتز

ابن الإنترنت البار: قصة حياة آرون سوارتز (وثائقي 2014)

صفحة الفيلم على آي إم دي بي.
______________________
شاهدت لأول مرة هذا الوثائقي بالصّدفة تماماً، رأيتُ أسامة خالد قد كتبَ عنه على تويتر، كنتُ متوقّعاً شيئاً مثل: قضية تقنية بحتة لا زلت لا أملك كل الخبرات التي قد تجعلني أفهم تفاصيلها. لكنّي قلت: الأمر يستحق المحاولة، وأنا أصلاً مُعتاد على قضاء الوقت الذي لا أنشغل فيه بأولوياتي على الوثائقيّات، قمتُ بتحميله على الجهاز على أن أشاهده لاحقاً، ومرّ شهر تقريباً قبل أن أُقرِّر أن أفتحه وأشاهده.
أذكُر أني انتهيتُ منهُ وعيني تدمع. وأذكُر أني كثيراً ما أوقفته لأبحث عن المزيد من تفاصيل القصة على الإنترنت. أدهشتني القصة. هناك جوانب كثيرة أدهشتني في هذه القصة:
1- كم فاتنا من قِصَص النضال التي لم نسمَع بها؟ كم فاتنا من قصص الأشخاص الذين ضحّوا بحياتهم وبحرياتهم، لمحاولتهم أن يجعلوا من مبادئ نتّفق معهم فيها تماماً، واقعاً ملموساً؟
2- آرون سوارتز نفسه: شخصيّته، أفكاره ومبادئه والقيَم التي عاش عليها. نبوغه المبكّر جداً في البرمجة وإيمانه الأصيل بعدم انفصال مواهبه البرمجيّة عن الواقع السياسي والاجتماعي من حوله. نتحدّث عن شخص كان كل شيء حوله يشير أنه كان بإمكانه أن يكونَ شبيهاً تماماً بأغنى أغنياء العالم اليوم: مؤسِّسي مايكروسوفت وجوجل والفيسبوك وغيرهم. كانت هذه الحياة مفتوحة على مصراعيها بين يديه.
3- ما مقدار الظُّلم الذي يمتلئ به هذا العالم؟
4- جيستور JStor. الموقع الربحي لتوفير المقالات الأكاديمية:
منذُ تعرّفتُ على Google Scholar (جوجل:الباحث العلمي) وأنا أستخدمه كثيراً في الوصول لأبحاث ومقالات تهمّني. أبحث أحياناً في الفلسفة السياسية، في علم الاجتماع وعلم النفس، في فلسفة الجمال، وفي الكثير من المجالات التي تهمّني. أو في المواضيع التي أرغب في الاطلاع على مصادر أكثر عنها، سواءً لأني أريد الكتابة عنها أو لأسبابٍ فضولية ومعرفيّة بحتة.
كثيراً ما يُحيلني الباحث العلمي لجوجل إلى جيستور. وكثيراً ما تكون نهاية رحلتي هناك، أشاهد خلاصة المقال في البداية، أجد أنه تماماً ما كنتُ أريده. أحاول تحميله. أجد نفسي مُرغماً على أن أدفع حوالي 40 دولاراً مثلاً، أو أكثر أو أقل، على المقالة الواحدة. أقومُ بمراسلة بعض الأصدقاء المسجّلين في جامعات لديها وصولاً مجانياً إلى جيستور. يقومون بتحميله وإرساله لي. تتكرّر القصة فأخجل من سؤالهم مرةً أخرى. وهكذا.
قضيّة آرون الرئيسية كانت: أنه عن طريق جامعة MIT والتي تملك وصولاً مجانياً لجيستور، كتب نصاً برمجياً (كود) بلغة بايثون. استطاع من خلاله أن يقوم بتحميل تلقائي لعدد مهول جداً من مقالات جيستور، والتي كان من ثمّ سيوفّرها للنشر المجاني. لاحقه الادّعاء العام والإف بي آي ووجّهوا له تُهَماً لا تُحتمَل. لدرجة أن جيستور نفسها، تنازلت عن الدعوى المُقامة ضدّ آرون عندما رأت أن الادّعاء العام يريد أن يستغلّ هذه القضية لأهدافه الشخصية أكثر من رغبته في أن يكون مدّعياً عن جيستور.
بعد انتحار آرون بيومَين، قام شخصٌ ما برفع 35 جيجابايت على التورنت: مقالات مجمّعة من جيستور. تستطيع أن تقوم بتحميلها من هنا. وبالمناسبة، عالم مواقع التورنت أيضاً يحمل قصص نضال أخرى قد أتحدّث عنها في وقت آخر.
5- تذكّرت وأنا أشاهد الوثائقي، الحملة التي حصلت في عام 2012 ضد قانون (سوبا) و(بيبا). عندما دخلت بالصُّدفة إلى ويكيبيديا ورأيتها تقول بالخط العريض ( حرية الإنترنت في خطر ). ومن الوثائقي فهمت أن آرون كان عضواً فاعلاً في هذه الحملة ضد القانون.
اليوم، هناك مشروع يُقدَّم في الولايات المتّحدة يجعل شركات الاتّصالات تتحكّم في سرعة الإنترنت بحيث تُبطئ مواقع هي تقرّرها، مما يجعل مواقع الشركات الضخمة التي تملك أموالاً كافية تدفعها لشركات الاتّصالات، تحصل على أسرع تصفّح. وغيرها قد لا يحصل على ذلك إلا بمقدار ما يدفع. ليس مقصوراً ضرر مثل هذا المشروع على الولايات المتّحدة فحسب، بل سيؤثّر على الإنترنت في العالم كله. تُقام حملة واسعة الآنلحماية حيادية الإنترنت: Net Neutrality. (شاهد حلقة الكوميدي جون أوليفر في التعريف بالقضية).
وجدتُ نفسي لاشعورياً –وغالباً بتأثير من الوثائقي- مهتماً ومتابعاً لهذه القضية وغيرها. وأصبحت قليلاً قليلاً أرى أهمية المفاهيم التي تدور حول (حرية الإنترنت) والحرية المعلوماتية.
______________________
 اقتباسات من الفيلم:
– آرون:
” أثناء نشأتي، كما تعرف، بدأت في استيعاب أن كل الأشياء المحيطة بي، والتي أخبرني الناس أنها من طبائع الأمور، وأنها يجب أن تكون دائماً هكذا. إنها لم تكُن طبيعيّة أبداً. كانت أشياء من الممكن أن تتغيّر. والأهم أنها كانت أشياء خاطئة ويجب أن تتغيّر. وعندما أدركت هذا لم يكن لي أن أتراجع”.
– آرون:
“لقد كنتُ مُحبطاً جداً من المدرسة. واعتقدت، أن المعلّمين لم يتقنوا ما يتحدّثوا عنه، وكانوا متسّلطين وباحثين عن السيطرة، الواجبات المنزلية كانت مجرد حجة مزيفة لجعل الطلاب متذمرين، وإجبارهم على القيام بما يشغلهم.
وبدأت قراءة العديد من الكتب عن تاريخ التعليم، وكيف تطوّر هذا النظام التعليمي، و ما هي بدائله، والطرق التي ستمكّن الناس فعلاً من التعلّم، بدلا من أن يتقيأ المعلم الحقائق ليتجرعها الطلاب، وهذا النوع من الإحباط الذي قادتني إليه المدرسة، جعلني أُسائل الكثير من الأشياء، ومنذ بدأت في التشكيك في ومسائلة المدرسة، أصبحت أُسائل المجتمع الذي بنى المدرسة و أشك وأُسائِل العمليات التجارية التي بُنيت المدرسة لأجلها، و أشك وأُسائِل الحكومة التي، قامت بتنصيب هذه البنية كلها”
– آرون:
” إن الميراث العلمي والثقافي للعالم أجمع، الذي نُشر طوال القرون الماضية عبر الكتب والمجلات،  ترقمنه بضع شركات خاصة وتحجر عليه. وفي ذات الوقت، هؤلاء المحرومون منه، لن يرضوا أن يبقوا مكتوفي الأيدي، تبحثون عن الثغرات وتقفزون الحواجز، لتحرروا المعلومات التي احتكرها الناشرون، وتتشاركونها مع أصدقائكم.
لكن كل هذا يتم في الخفاء سرا، يسمونه سرقة أو قرصنة، كما لو كان تشارك كنز المعرفة يُكافأ أخلاقيا، بمثابة الاستيلاء على السفن وقتل طاقمها، لكن النسخ ليس عيبا، بل هو واجب أخلاقي. لا يمنع صديقَه من النسخ إلا من أعمى الطمع قلبه، ليس من العدل اتباع القوانين الظالمة.”

– صديقة آرون التي ورّطها الإف بي آي أيضاً في قضيته:
” لا زلت غاضبة. لا زلت غاضبة أنك قد تسعى بكل طاقتك لمساعدة هؤلاء على القيام بالصواب، لكنهم يقلبون كل شيء عليك. ويؤذونك بكل ما يستطيعون. وفي تلك اللحظة ندمت على ما فعلت [تقصد أنها أخبرتهم بشأن بيان طلائع النفاذ المفتوح].
لكن ندمي الأكبر أننا رضينا بذلك، أننا لم نمنع حدوثه، أننا راضون بنظام عدالة يسعى للتلاعب بالبشر، والإيقاع بهم في أفخاخ تدمر حياتهم. ولذا نعم، أتمنى أني لم أقل شيئا، لكني أشد غضبا أن هذا هو المكان الذي أنا فيه، أننا كشعب نظن ألا بأس في ذلك”
______________________
أتممتُ الترجمة مع الصديق أسامة خالد بتقسيم أجزاء الترجمة ثم مراجعة أحدنا للآخر، وعليّ أن أقرّ أنه رغم الجُهد المبذول، كان عملاً جميلاً ورأينا أننا نبذل جهدنا فيما يستحق.