Mohannad Najjar

Mohannad Najjar's Writings..

Menu Close

وحدي، أدافعُ عن هواءٍ ليسَ لي ..

وحدي، أدافعُ عن هواءٍ ليسَ لي ..

*
فيرناندو بيسوا، صاحب كتاب (اللا طمأنينة) والذي يجعلك بقراءته مشكّكاً في كل شيء، تنظر إلى الأشياء نظرة المستريب المتخوّف، في أحد كتاباته يقول: ” من نفس المكان يضجر الناس، وأنا من وجودي في ذاتي أليس خليقاً بيِ أن أضجر ؟ “

هناك هي المشكلة، في هذا الضجر وذاك الملل الذي يجعلك في اصطدام مع أصل وجودك في الحياة. لاحظ أننا هنا لا نتحدّث عن ظروف حياتية لو تغيّرت تغيّر موقفك من الحياة، لا.. أتحدّث هنا عن إدراكك بأن المشكلة هي في أنك موجود أصلاً.

هذا تماماً ما أشعر به، مللتُ، مللتُ من كل شيء، من المحاولات الحثيثة لأقنع نفسي بأن شمعات الأمل التي أوقدها لن تنطفئ سريعاً؛ وأن النهار سيأتي بشيءٍ غيرَ النهار. مللتُ، من لحظات الانتظار التي ترافقها قصص النهايات السعيدة؛ تربت على الكتف وتخبركَ أنها في مخيّلتك المريضة فقط، فقط.


*
حزينٌ أنتَ أكثر مما ينبغي لمثلك. تفكّر في أن تُنهي حياتك. ليكن ذلك، تبدو هذه الحياة فارغة تماماً. ولكنك في يومٍ ما.. كنتَ قد وعدت نفسك أنك لن تُقدِمَ على هذا حتى تتأكّد أنك أشبعت عطش روحك إلى الجمال، أنت مدين لها بهذا. لا بد أن تكمل ما بدأته، أن تحيا أولاً قبل أن تموت. أن تموت موتَ الزاهد في ما بين يديه. لا موتَ اليائس الهارب. وهكذا. شيءٌ ما في حياتك شوّهك، شيءٌ ما في روحَك أُصيب بالعطب.. لا أنت حيٌّ ولا أنت ميت. في المنتصف دائما.

*
تحتاج دائماً أن تذكّر نفسك أنكَ لستَ إلهاً، أنك لا تستطيع أن تمسح كل دمعةٍ في أعين الآخرين تراها. أن تمدّ يداً لمن تكون بجوارهم. وبمثالية الأنبياء ستحرص أن تعامل الناس كما تُحِب أن تُعامَل، لكنّك تُفاجأ بكفرهم بك. أنّهم وجدوك وفقدتهم. ستُحاوِلُ مُصِراً، ولكنك في لحظةٍ ما، ستدرك أيها النبيه الحريص أنكَ وحدَك. وأن قلبك تيبّس، لأنه أضعف من أن يظلّ نابضاً بالحياة.

*
كنتُ أريد أن أقول أنني حزينٌ، أنني بائسٌ جداً هذه اللحظة. لا أريد ذلك. لا أريدُ أن أُعطيَ لأحد ما فرصةَ أن يخبرني أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأصدّقه. أريد أن يبقى سرّ هذا الحزنُ عميقاً في نفسي، وحده الفزعُ الذي في عينايَ يملكه؛ في صمتٍ بعيد عن فضول الناس. بهذه الطريقة أبني هالةً حولي لا يقتربُ منها أحد.

*
بدأت تفكر: الموت حرية؟ أهلاً بك، لن تموت، ولن تبدِّدَ ما بروحِك، بل ستحيا بائساً.

*

لطالما كنتُ أشعر بأنني متسامٍ على الأشياء. أنني خُلِقت لغايةٍ أكبر، ولهدفٍ أكبر. لطالما كنت أرى في الأفق البعيد أمراً لا أظن أن أحداً غيري يراه. أن أنظر نظرة المستريب الحَذِر لكل هذه الأشياء اليومية/ الصلات الاجتماعية/ الأحداث السياسية. أن أعدّها أشياءً تحيدُ بي عن ما كنتُ مُسيَّراً له. أشعرُ أنني أُعي عميقاً معنى الوصف الديني للحياة أنها “لا تعدلُ جناحَ بعوضةٍ”، أعيه لدرجةٍ تجعلهُ وعياً مقلوباً؛ فهو أصبح عندي وعيٌ بالتفاهة. يزداد باطِّراد مع الحساسيّة للألم المتفشِّي في الوجود. فلا يواسي ذلك الألم الإيمان بالغاية العُليا النبيلة، ولا تستطيع أن تصفهُ بأنه تافهٌ مُزيَّف.

هجمات باريس: عن المأساة وتسييسها. – ترجمة مقال

هجمات باريس: عن المأساة وتسييسها.
مقال لـ: سام كريس: صحفي مقيم في لندن يكتب ويدوِّن في Vice ومجلة جاكوبين.
المقال الأصلي: How to Politicize a Tragedy
ترجمة: مهند نجار
نُشِرَ في موقع حكمة

أكتب هذه الكلمات في صباح هذا اليوم، بعد سلسلة من الضربات العنيفة في باريس والتي خلَّفت أكثر من 120 قتيلاً، الكتابة عما حدث ستبدو أمراً قاسياً. وفي هذا الوقت الذي يترنَّح فيه العالم، هناك شيءٌ وحشيٌّ جداً خلف الفكرة التي تقول أنه وقتٌ مناسب لتطالب الآخرين بسماع رأيك «الحصيف». إذا كانت من الوحشية أن تكتب قصيدة بعد إبادات معسكر أوشفيتز، فمن الوحشية أيضاً أن تكتب تأملات فكرية بعد باريس. لا تُسيِّس، لا تستخدم مآسي القتل الجماعي لتتفوَّق خطابياً على خصومك، لا تصرخ: سبق وأخبرتكم، لا تجعل من الجثث لعبة شد الحبل الخاصة بك، لا تجعل من هذه المأساة شيئاً يتعلّق بك، هذه مأساة وليست سياسة.

ووجه الغرابة في هذه المقولات أن الموت هو دائماً سياسي، ولا شيء أكثر وضوحاً في تسييسه من الهجوم الإرهابي. هذه الأحداث حصلت لأسباب سياسية، ولها عواقب سياسية. حسنٌ أن تمتلك رأياً في أوقات السلام، ولو كان هذا الرأي يُشكِّل إحباطاً لدى الكثير، لكن امتلاكك لرأي في وقت الأزمات ضروريٌ جداً. ومن ناحية أخرى، شعورٌ بالتقزّز يتنامى من تعليق البعض على إجراء فرنسا غير المسبوق في إغلاق الحدود، أنهم لو فعلوا ذلك مبكِّراً، «كان يمكن لنا أن نتجنَّب كل هذا». عندما كانوا يثرثرون عن «الخطر العالمي للإسلام والأجانب الذين يقطنون بيننا»، وعندما يعلنون بكل عجرفة أن قوانين تقييد السلاح «تترك السكَّان بلا حماية».

هذه العادة ليست مقتصرة على اليمين السياسي، هناك الكثير ممَّن يُوصفون باليسار أيضاً يستخدمون المذبحة باعتبارها جسر العبور المناسب لاستعراض مثُلهم الأخلاقية. ماذا لو كان المهاجمون بيضاً؛ ألم نكن لنتحدَّث الآن عن الصحة العقلية والجنون؟ ألا تعرفون أن غير المسلمين يرتكبون أعمالاً وحشيّة أيضاً؟ لماذا الآن تُبالون بهذه القضية، دون كل المآسي التي تحصل حولنا في العالم؟ ألا ترون أن كل هذه الجثث موجودة فقط لتثبت لكم أنني كنت على صواب من البداية؟

بالعادة، القليل من الناس يُطالب بألا يعبِّر عن رأيه، لكن خلال السنوات الماضية؛ أصبحنا جميعاً نُطالَب بذلك. أكثر هذه المُطالبات تحصل على الانترنت، فيبدو أنه من الشنيع أن تتحدَّث عن توقّعاتك بالنهايات المأساوية التي قد يتعرَّض  لها المئات؛ في ذات المنصة الالكترونية التي نتحدَّث فيها عن آراؤنا في مباريات كرة القدم والبرامج التليفزيونية. أحد الأسباب لهذا مرتبط بالأسلوب المتبع في هذه الخدمات: خانات فارغة تنتظرِك وتشجِّعك على أن تملأها بالكلمات. أن تشارك بالمحادثة وتُعلِّق. لأنَّك تؤمن بأهمية ما تريد أن تقوله. وفجأة ومن حيث لا تدري، وأثناء مشاركتك وانضمامك للمحادثة، يُقال عنك أنك تقفز على جثث الموتى. وأننا نعبث بأفكارنا في وسط الدماء. فالتعبير عن أي شيء غير الحزن، سيُعَد وحشيّة وقسوة.

وبعد ذلك، لننظر فيما قيل. في ليل يوم الجمعة، وقف الرئيس الفرنسي هولاند بخارج قاعة مسرح باتاكلان، حيث العشرات من الموتى، ليقول: “سوف نُحارِب، المعركة ضد هؤلاء ستكون بلا رحمة”. ستكون هناك مزيدٌ من الحروب، مزيدٌ من الموت والمآسي. وتستضيف المحطات التلفيزيونية الخبراء الذين يصرُّون على أن هذا خطأ المهاجرين والأجانب، كما لو أن اللاجئين جلبوا معهم العنف الذي هربو منه أصلاً. مزيدٌ من القمع، مزيدٌ من الوحشية والمذابح.

الهجمات الإرهابية، وكما نعرف جميعاً، تهدف إلى ضرب الناس بعضهم ببعض، وتكثيف عنف الدولة، وهذا ما حصل تماماً. استجاب الناس على ذلك النحو، وأعلنت الدولة عن عزمها للعنف. وهذا كله تسييسٌ للمأساة. والحديث علناً ضدّه هو كذلك تسييسٌ للمأساة، فهل كلا الوجهين مرفوضَيْن؟

في اليوم الذي سبق هجمات باريس، قام انتحاريِّيْن بتفجير أنفسهما في برج البراجنة، الضاحية الشيعية -في الغالب- من بيروت، وقُتِلَ 43 شخصاً بريئاً. الوكالات الإخبارية مثل رويترز أذاعت الخبر على أنه هجوم على «معقل حزب الله». إنسانيّة الضحايا تلاشت، وبكل قسوة تم اختزال الضحايا في حزب سياسي ربما يدعمه بعضهم وربما لا. لكنّهم لم يكونوا بشراً، كانوا «حزب الله»، كما لو أن المكان الذي هُوجِمَ قلعةٌ مُسوَّرة وليس حياً سكنياً تقطن فيه عائلات. الكثير أبدى رفضه لهذا الاختزال، وهذا أيضاً كان تسييساً للمأساة، فهل هو غير مقبول؟

عندما نقولها بصراحة أكثر، فكرة عدم التسييس تعني أن لا نجعل من موت أحد مرتبط بأي شيء آخر: فالموت لا علاقة له بالقضية التي طالما تبنّيتَها وتهتمّ بها، الموت لا علاقة له بك. لكن، هذا القول بحد ذاته نوعٌ من أنواع السياسة. زِد على ذلك، الإصرار على إنسانية الضحايا هو أيضاً فعلٌ سياسيٌّ. وحيث أصبحت المأساة تتداول في سياق صراع الحضارات، أو كذريعة لإلقاء اللوم على من هم أصلاً ضحايا، يعني هذا أن المأساة سُيِّسَت لأقصى درجة.

هناك التسييس الذي يتغذّى على الموت لأهداف سياسية محدودة، وهناك أيضاً التسييس الذي يرفض أي إملاءات مقرّرة مسبقاً غير السعي إلى التحرُّر. هذا التسييس يركِّز على الطبيعة السياسية للمأساة، وليس بإلقاءها على طرفٍ هنا أو هناك، ولا بالنظر إلى صور الدماء بعدسة اليسار أو اليمين. لأن السياسة هي الحلّ الأمثل للخروج من كل هذا.


المآسي الفظيعة تتطلَّب تضامناً، تضامناً مطلقاً لجميع الضحايا. الإصرار على أن تملك رأياً لا يعني نظرة غير المبالي الذي يعتقد أنه كان على حق منذ البداية. بل التضامن غير المشروط والذي لا يميِّز في مواجهة الدمار. أن تحارب هؤلاء الذين يفجِّرون المقاهي والمسارح، كما تحارب أيضاً هؤلاء الذين يفجِّرون المدُن بالطائرات المقاتلة وبأجسادهم، وهؤلاء الذين تركوا المهاجرين إلى البرد يأويهم على الحدود، وهؤلاء الذين هرب المهاجرين منهم. أن تناضل: أن تناضل النضال المشترك لكل هؤلاء الذين يعانون، ضد المعاناة.

فيلم Citizenfour : إدوارد سنودن.. درس في الشجاعة والشفافية

 الفيلم: وثائقي Citizenfour.

مدة الفيلم: ساعة و53 دقيقة.

* خلفية عامة:

لا أزال أتذكّر شهر يونيو 2013 حيث ظهرت الأخبار حول تسريبات جديدة تكشف القدرة الهائلة لوكالة الأمن القومي الأمريكية في مراقبة وتتبُّع أكثر ما تضطّر فيه لاستخدام الشبكات والانترنت، الصفحات التي زرتها على الانترنت، الإيميل، اتصالات الهواتف، رسائلك على مواقع التواصل الاجتماعي، برامج المحادثات، والكثير من الأمثلة.

وكنت ألاحظ الاسم الذي يتكرّر مع هذا الخبر: إدوارد سنودن، موظّف وكالة الأمن القومي الذي سرّب الخبر بعد سفره من البلاد. وارتبط اسمه في ذهني بأنه شخص آخر مثل برادلي مانينغ، محلل القوات البرية الأمريكية الذي سرّب مجموعة كبيرة من الوثائق لويكيليكس. غير أن برادلي لم يحالفه الحظ، فقُبِض عليه وحُكِمَ عليه بـ38 سنة.
في الحقيقة، لم أكُن على ذلك القدر من الاهتمام بجدل المراقبة والخصوصية. دائماً ما تتواجد هذه الفكرة في الأفلام والمسلسلات بحيث بدَت مألوفة، مسلسل Person of interest مثلاً، والذي بدأ من 2011، فكرته قائمة على أن هناك كاميرات تراقب كل شيء يجري في المدن الأمريكية. بل وأقدم منه، مسلسل الأكشن 24، والذي بدأ في 2001، يُظهِر قدرات مراقبة هائلة.

بهذه التصوّرات بدأت في مشاهدة الفيلم. وكان الفيلم ناجحاً في جعلها تتغيَّر.

* … عن الفيلم:

]قبل الحديث عن الفيلم، أُنبِّه إلى أن الفيلم فعلاً لا يتطلَّب أن تكون تقنياً ماهراً أو لك خبرة في الأمن الرقمي لتفهمه، تستطيع ببساطة أن تستوعب جيداً كل شيء.[

هذا الوثائقي حقيقي جداً، هو ليس فيلم خيال علمي عن قدرات مستحيلة سنصل إليها بعد عدة سنين، لم يُصوَّر الوثائقي بأداء تمثيلي ولا في لقطة واحدة. تذكّر دائماً وأنت تشاهد أنه ليس فيلم إثارة. ولذا أرجوك، لا تكُن مثل قناة CBC المصرية حين قالت أثناء خبر حصول الفيلم على جائزة الأوسكار للأفلام الوثائقية: تمثيل إدوارد سنودن، الذي تغيّب عن استلام الجائزة!

الأجزاء الرئيسيّة في هذا الفيلم مُصوَّرة في غرفة داخل فندق. وبداية الفيلم مقدّمة عامّة وجيّدة عن قضية مراقبة وكالة الأمن القومي الـNSA والـFBI لعملاء شركات الاتصالات.

من الناحية الإخراجية، بدا لي الفيلم ضعيف إلى حدٍّ ما، تملك المُخرِجة محتوىً ثرياً وكاميرات صوّرت بذكاء لقطات وردود الفعل في وقتها الحقيقي، كانت هناك الكثير من المساحات الممكن استخدام الجرافيكس فيها لشرحها وتوضيحها، الوثائق التي عُرِضَت مثلاً. لكن ربما كانت إرادة المُخرِجة، لورا بويتراس، والتي كانت بداية كل هذه القصة عن طريقها، ربما كانت إرادتها أن يبدو الفيلم كاملاً من غير أي مؤثّرات أو عوامل إضافية غير ما التقطته الكاميرا.

* حول ردود الفعل:

الأثر الذي تركه سنودن وردود الفعل -سواءً كانت على ما قام به نفسه، أو على الفيلم- كثيرة جداً، لكن أريد هنا أن أتحدّث عن ثلاث أمور:

تمثال إدوارد سنودن في حديقة نيويورك، 6 أبريل 2015
– تمثال إدوارد سنودن.

في صباح الأمس، يوم الاثنين 6 أبريل 2015، قام مجموعة فنانين مجهولة أسماءهم بنحت تمثال لإدوارد سنودن، من ثم وضعوه في أحد الحدائق العامة بنيويورك. في نفس اليوم، أُزِيل التمثال من قبل شرطة نيويورك وشرع قسم الاستخبارات في التحقيق في الأمر.


من ناحية أخرى، الفيلم حصل على جائزة الأوسكار. هذه الجائزة، وهذا الاعتراف، شيءٌ رمزي للغاية. تقديم الأوسكار هذا، هو أقرب لكونه اعترافٌ بنبل ما قام به سنودن وشكرٌ له، هو أقرب لكونه كذلك من كونه فيلم وثائقي يملك عناصر قوة في الإخراج والمؤثرات و..الخ.


تمثال إدوارد سنودن أثناء إزالة شرطة نيويورك له، 6 أبريل 2015
تخيّل هذا الأمر؟ الأوسكار، جائزة سنوية تُقام منذ عام 1927، أي حوالي 90 سنة، جائزة بهذا الثقل توجّه لفيلم عن سنودن. في ذات الوقت الذي تُصِر فيه التصريحات الرسمية أن سنودن شخص ارتكب جرائم جادّة وخطيرة بنشره لمستندات تهدّد الأمن القومي. هل هناك صورة أكثر من هذه توضِّح مدى الفجوات بين أطياف المجتمع الأمريكي والإدارة الأمريكية؟


– جون أوليفر: خصوصية صورة قضيبي.

مؤخّراً، قام المذيع الساخر جون أوليفر بحلقة خاصّة عن: مراقبة الحكومة. ذهب إلى روسيا وقابل إدوارد سنودن وهو يملك سؤالاً رئيسياً ومحدداً جداً ومن خلاله يريد أن يفهم كل شيء: هل تستطيع الحكومة أن ترى صورة قضيبي لو أرسلته إلى صديقةٍ لي؟ يقول أوليفر، بهذه الطريقة سيفهم الشعب الأمريكي مدى أهميّة حماية الخصوصية.

في أحد فقرات الحلقة، يُسأل المارّة في ميدان (التايمز) بنيويورك: من هو إدوارد سنودن؟ لا يعرفونَه. وقبل ثلاثة أسابيع، أجرى مركز بيو لاستطلاعات الرأي استطلاعاً حول الخصوصيّة وتأثير إدوارد سنودن، ومما يتضمّنه أن 46% من الأمريكيّين لا يكترثون بمراقبة الحكومة لهم.

هل يعني هذا أن كلّ ما قام به، كان للا شيء؟
جرين جرينوالد، الصحفي الذي يظهر طوال الفيلم وكان هو أول من بدأ هذه القصة كلها، كتب مقالاً تعقيبياً على الحلقة. يقول فيه: ليست القضية أنهم لا يعرفون سنودن، القضية هي العزوف السياسي. واستعرض الكثير من الأمثلة على إحصائيات سابقة عن العزوف عن الانتخابات، والجهل بأسماء مسؤولين كبار -نائب رئيس الجمهورية مثلاً-، والجهل بأسماء القطاعات الثلاثة الرئيسية للحكومة. وغيرها من الأمثلة الكثيرة. ويُلاحظ أن من ضمن أسباب هذا العزوف السياسي -المُقلِق تواجده بنسبة عالية في أي دولة- إلى أنهم لا يعتقدون أن الاهتمام بالسياسة قد يغيِّر أي شيء في حياتهم.

– “لا أملكُ شيئاً لأخفيه، لماذا أهتم؟”

كثيراً ما تُقال هذه الفكرة في التقليل من شأن أهمية الخصوصيّة، نحن كسعوديين نسمعها كثيراً. ” لا أملكُ شيئاً لأخفيه، لماذا أهتم إن كانت تراقبني الحكومة؟ “

انتهاك الخصوصية باسم المصلحة العامة والأمن القومي،
من كتاب: الخصوصية: مقدمة مختصرة جداً،
مترجم من قبل مؤسسة هنداوي.
تتستّر هذه الفكرة بغطاء الشخصية العمليّة جداً، والواقعيّة جداً. وفي الحقيقة، هي مبنية على أساس -فيما أراه- واهي تماماً. بل من يؤيِّد المراقبة الحكومية يستنِد على أسس أكثر ثباتاً من هذا الموقف اللا مبالي. والفكرة من الاهتمام، أنني كمواطن لا يجب أن أسمح أن تكون كل هذه السلطة في يد أشخاص قد يسيؤون استخدامها. وخاصةً في الوقت الذي تظهر فيه الأخبار عن إساءة استخدامهم لها. هُم بحاجة إلى أن يكتسبوا ثقتي، وثقتي ليست سهلة، وليكتسبوا ثقتي لا بدّ من أن تكون هناك شفافيّة كافية تجعلني أُسائلهم لو أساؤوا استخدام الموارد التي بين أيديهم.

الفكرة الرئيسية من اهتمامي بخصوصيتي، هي الفكرة القديمة: “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. هي الفكرة التي تجعلني أريد أن يكون تعاملي مع السُّلطة التي تدير بلدي، تعامل الند للند، وليس تعامل العبد للسيّد. هي الفكرة التي من خلالها أن أستطيع أن أقول: أنا مواطن أحترم البلد الذي أعيش فيه، ويحترمني.

* انطباعات شخصية أثناء مشاهدة الفيلم:

أولاً:
كان عمر سنودن حين قام بتلك التسريبات 29 سنة، هو بهذا العمر وبذلك الذكاء والقدرة التقنية الهائلة التي جعلته قادراً للاطلاع على أي شيء في الوكالات الأمنية الأمريكية، حتى ضربات الطائرات بلا طيار يستطيع متابعتها في الوقت اللحظي لها. تعرِف من أمرٍ كهذا، أن هذا شخصٌ ليسَ عادياً.

من ناحية أخرى، برادلي مانينغ أيضاً، المحلل الاستخباراتي، كان يبلغ من العمر 23 سنة حين قام بالتسريبات.
وبما أني -وبشكل عام- أعتبر نشر المعلومة في الفضاء الحر؛ جزء من نضال الشعوب ضد الحكومات لاكتسابها حق المعرفة، أجد أنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام ظهور مثل هذا الجيل المتفوّق تقنياً ولديه مثل هذه التطلعات السياسيّة. خاصّةً إذا رافق ذلك شعور بالمسؤولية تجاه ما ينشر ومالا يُنشَر.

ثانياً:
سنودن، ذكي جداً. حريص وحَذِر بشكل مُلفِت -وأحياناً يجعلك مثله، تبدأ تشك وتبحث عن طرق لحماية خصوصيتك-. يعرف قدرات خصمه جيداً، درس كل الخطوات التي سيُقدِم عليها، قام بالتخطيط لهذا الأمر لعدة شهور. حتى زوجته لم يُخبرها بنيته. لم يحذف بَصْمَة أصابعه بحيث سيعلمونَ سريعاً أنه هو الشخص الذي سرّبها -بعد ظهور المستندات وقبل ظهوره العلني-. لم يختبئ في الظلام. يقول: أنا لا أريد الاختباء والتسلُّل، لا أظن أنه عليّ أن أفعل ذلك.

ثالثاً:
عندما نُشِرَت وثائق ويكيليكس، كانت تتضمَّن أسماء شخصيات كثيرة جداً، غير مبهمة ولا محجوبة. كانت هذه الوثائق السرية بالآلاف ومتاحة للجميع. ترتّب عليها احتجاجات واغتيالات وأحداث كثيرة جداً. لم يكُن سنودن يرغب في شيء كهذا. ولو كانت الوثائق التي يملكها لا تتضمّن أسماء أشخاص، فهو لا يرغب في نشرها كنوع من الانتقام من الوكالة التي كان يعمل لديها، ولا يرغب بالتسبّب بأي أذى، هو فقط يريد أن تتوجّه الأمور نحو مسارها الصحيح. يريد من هذه السُّلطة أن تتقيّد بإرادة الشعب.

سنودن يتصرَّف بمسؤولية أكثر تجاه ما كان بين يديه، يقول: لا أريد أن أكون الشخص الذي يتّخذ القرار فيما يجب نشره ومالا يجب، ولهذا بدلاً من نشرها علناً بنفسي، أُعطيها لصحفيّين ]اخترتهم[، بحيث تُمثَّل المصلحة العامة ]المرجو تحقيقها من نشر هذه الوثائق[ بأفضل الطرق الممكنة.


رابعاً:
جلين جرينوالد صحفي تصرَّف بمهنية عالية وبشجاعة نادرة. وهو بالمناسبة كتبَ كتاباً قيّماً يحكي فيه القصة كاملة، بعنوان: (لا مكان للاختباء). الكتاب مُترجم بالعربية بهذا العنوان وموجود في مكتبة جرير.

مناظرة ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي: الطبيعة البشرية: العدالة ضد السلطة.

مناظرة ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي: الطبيعة البشرية: العدالة ضد السلطة.

الترجمة، والعمل عليها:
الترجمة العربية الكاملة لمناظرة ميشيل فوكو و نعوم تشومسكي حول [الطبيعة البشرية: العدالة ضد السلطة]. عُرِضَت هذه المناظرة في التلفزيون الهولندي عام 1971 ويدير النقاش أستاذ الفلسفة الهولندي فونز إلدرز. كلاً من فوكو وتشومسكي لديه أفكاراً تركت أثراً كبيراً في حقول الدراسات العلمية والإنسانية. وكلاهما يقف على جهة مختلفة عن الآخر. يتناقشان في هذه المناظرة بسلاسة وتبسيط بحيث يمكن للمشاهد أن يرى بوضوح مواطن اختلاف الفيلسوفَين والطريقة التي يتفاعلان بها مع طرح الآخر والحجج التي يقدّمها.
تمَّت هذه الترجمة على عدّة مراحل بمساهمات مختلفة مني، وفهد الحازمي، وحسين القطان، وراية الردادي. هذه المناظرة ليست كاملة، بمعنى أنه تمّ اقتطاع أجزاء منها من قبل التلفزيون الهولندي لتخرُج بهذا الشكل، يمكن مُلاحظة هذا الاقتطاع من الفيديو، ولكن الأكثر دلالةً على هذا الاقتطاع: النص المكتوب الكامل للمناظرة، والمطبوع في كتاب منشور، والمنقَّح والمزيَّد من قبل فوكو وتشومسكي نفسهم. ولذا، كان اعتمادنا على الترجمة الإنجليزية للفيديو، وعلى نص الكتاب نفسه.
ما الذي أضافته لي هذه المناظرة؟
تشومسكي في غزة لحضور مؤتمر أكاديمي في الجامعة الإسلامية بغزة، 2012.

في الحقيقة، كنتُ -مثل الكثير غيري- لا أعرف عن تشومسكي أكثر من مواقفه السياسية، وأعرف أن لديه مكانةً مُحترمة لدى علماء اللسانيات. اللسانيات! هذا الحقل الذي طالما كرهتُ القراءةَ فيه، وبدا لي عسيراً، فورَ ما أفتح كتاباً من كتُب اللسانيات أجد الكثير من الأمثلة الدقيقة والرسوم والقواعد التركيبية، أُغلِق الكتاب وأقول: لن يقرأ شيئاً مثل هذا غير المختصّين فيه. أقرأ عن مصطلح (التوليدية) والذي كان تشومسكي رائداً فيه، لا أعرف عن هذا المصطلح شيئاً، أحاول القراءة عنه في مصادر أخرى، لكن تبدو لي دائماً أن هناك حلقةً مفقودة تمنعني من الفهم.

فوكو = كشف السلطة، هو ذلك الفيلسوف الذي يضع المجهر على كل التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية فيُريك كيف تتبدّى السلطة من خلالها. بهذه المعادلة وبهذا الاختزال كانت نظرتي لفوكو، ربما أضيف إلى كشف السلطة أموراً من قبيل: فيلسوف نيتشوي، فهمه عسير وأفكاره معقّدة، لكنّها عميقة. عميقة لدرجة لا أحتاج أن أصل إليها، مثله مثل نيتشه الذي يثقُ دائماً أن القليل جداً سيفهمه.
ولكن..
محاولةً مني لأن تكون ترجمة هذه المناظرة مكمَّلة، لها عناية واهتمام خاص، حرصتُ على القراءة لكلا الفيلسوفَيْن طوال فترة العمل عليها، كل هذا في سبيل أن أصلَ إلى فهمٍ أكثر دقة لهما. كانت كلماتهم في المناظرة تُساعدني كثيراً، فهي مبسَّطة إلى حدٍّ كبير، كلام تشومسكي عن (الإبداع) والاستعداد الغريزي لاستيعاب اللغة؛ كانت تشرح بوضوح ما تعسَّر عليَّ كثيراً فهمه.
ميشيل فوكو.. و عوالمه المجنونة!

كلمات فوكو وإصراره على تجاهل (اللحظات الخاصة) للعلماء وأنها تُعطى اعتباراً مبالغاً فيه، واستحضاره مثالاً على ذلك (لحظة تصور نيوتن للجاذبية) ذكّرتني مباشرةً بكل الشغف الذي كنا ندرس فيه لحظة سقوط التفاحة، فوكو يقول: هي ليست مهمة، وهذا النوع من تأريخ العلوم يحتوي على العديد من المشكلات، فوكو مشغول بـ(لاشعور الثقافة)، بما كان مخفياً ومكبوتاً في الثقافة، وكيف أن هذه التحولات العلمية هي تُظهِر شيئاً كان موجوداً وتكبُت شيئاً آخر ظلّ موجوداً كذلك. يقول في النص المطبوع: (يجب على المؤرّخ أن ينظر إلى موضع “شاذ” لكي “يكتشفه”. يبدو هذا كأنه استدعاءً لشكل من “الرومانتيكية” عن تاريخ العلوم: عزلة رجل الحقيقة، الأصالة التي تعيد نفسها على ما هو أصيل في التاريخ وبغض النظر عن ما يبدو عليه).

الجزء الثاني من المناظرة، والذي كان يدور حول الفلسفة المؤسِّسَة للمواقف السياسية لكلاً من المفكِّرَيْن، -ويعني هذا أنه ليس نقاشاً حول المواقف السياسية بحد ذاتها وبشكل مباشر، بل هو أبعد من ذلك إلى الأسس التي تستنِد عليها مختلف المواقف السياسية-، كان هذا الجانب الأكثر تأثيراً فيَّ. بدا تشومسكي أقرب لي كثيراً من فوكو.
أحد النقاط المهمة التي وجدتها في المناظرة، الطريقة التي يفرِّق فيها تشومسكي بين (النظام الأفضل) و(النظام المثالي)، يحمل تشومسكي العديد من الأفكار حول تصوّره للمجتمع والنظام الأكثر عدالةً والملائم للمجتمع التكنولوجي، المميّز هنا: أنه رغم الثقل النظري -في كتاباته- عن هذا المجتمع وذلك النظام، فهو يقر بوضوح أن هذا (النظام الأفضل) لديه عيوبه وأننا بطبيعة الحال محدودينَ بثقافتنا وبهذا الزمن.
نقطة أخرى متعلّقة بالعصيان المدني، يقدِّم تشومسكي مقارنةً معقولة بين فكرة العصيان المدني وقطع أحدنا للإشارة الحمراء ليمنع جريمة قتل، وأن العصيان المدني يحصُل من قبل من يعتقد أن الدولة هي المجرمة. يعني هذا أن تشومسكي لديه أفكاراً (قيميّة) عن ما تكون عليه الدولة وإذا تجنّبته فهي مُخطئة، وكل هذا بتأثير فكرة عن العدالة المثالية. فوكو بالمقابل، ينظر إلى مفهوم العدالة باعتباره احتجاج يُوظَّف دائماً من قبل الطبقة المضطهدة، وأن (العدالة) ليست هي ما توجِّه (البروليتاري) لمناكفة السلطة، بل الحرب التي يخوضها لأنه يريد أن يفوز. وأن هذه القيم حول (الطبيعة البشرية والعدالة وإداراك حقيقة الإنسان) هي قيم تشكّلت داخل الحضارة وشكّلت جزءًا من النظام الطبقي، بالتالي لا يمكن أن تكون قيماً مبدئيّة لتبرير الكفاح الذي يجب عليه أن يطيح بأسس المجتمع.
يبدو كلام فوكو في مآلاته خطير جداً ومرعب، محل الرُّعب فيه: هذه النظرة التي لا تعطي ذلك الاعتبار لقيم إنسانية أسمى. بالنسبة لي، أرى أن قدراً من الإيمان بقيم إنسانية مشتركة لا بد أن يكون حاضراً، وأن شيئاً كهذه القيم هو ما يمنع من استمرار النُّظُم الشمولية والاستبدادية ويساهم في تحرُّر الإنسان سياسياً. لطالما وجدت أن الطرحَ الذي يُعلي من شأن النسبيّة الثقافيّة بين الأمم، والنسبية القِيَمِية، ونقد القيَم الإنسانية المُطلقة، لطالما وجدت أن هذا الطرح جذّاب جداً ومثير للاهتمام من الناحية النظريّة، وغير مسؤول وغير عملي في الناحية العمليّة. أرى أن قدراً من القِيَم الليبرالية حول حقوق الإنسان ضروريٌّ جداً في أي كفاح، مهما بدت هذه القيَم من الناحية النظرية محدودة بثقافة وسياق آخر.
محتوى المناظرة:

يناقش الجزء الأول من هذه المناظرة الخلفية النظريّة لآراء الفيلسوفَين. يتحدّث تشومسكي عن أفكاره عن القابلية الغريزية للإنسان لتعلُّم اللغة، وكيف يساهم الإنسان في صنع اللغة، وعلاقة هذه الأفكار بمفهومه عن الطبيعة البشرية. ويتحدّث فوكو عن الإشكالات التي يراها في أطروحة تشومسكي، ويقارن مفهوم (الحياة) في علم الأحياء بمفهوم (الطبيعة البشرية)، ويطرح مشكلة تاريخ العلم بشكله التقليدي والذي يركِّز على (إبداع) العلماء “الذين اكتشفوا الحقيقة”، في ما يبدو على أنه مخالفةً لتشومسكي؛ قبل أن يوافقه تشومسكي ويوضِّح أكثر فكرته عن مصطلح (الإبداع) واتصاله بالطبيعة البشرية.
الجزء الثاني من هذه المناظرة يدخُل بشكل مثير للانتباه في المواقف السياسية التي يستنِد عليها كلاً من الفيلسوفَين. يتحدّث تشومسكي عن العصيان المدني، والقانون الدولي، والإمبريالية، والقِيَم التي تحرِّكه في الصراع ضد السلطة. في حين يُبدي فوكو ملاحظاته على القِيَم التي تستنِد على (عدالة مثالية) عند تشومسكي ويقرِّر أن الصراع يجب أن يكون تحت مظلة الحرب لا العدالة، وأن (البروليتاري) يبدأ الحرب لكي يفوز بها وليس لأنها عادلة، النقطة التي يؤكّد تشومسكي اختلافه معه حولها مؤكِّداً قيمة العدالة. كما يؤكِّد فوكو على الانتباه لدور المؤسّسات التي تتظاهر باستقلاليتها عن الدولة في حين أنها صُنِعَت للمحافظة عليها، ويضرب أمثلة على ذلك: المؤسسات التعليمية، مؤسسات الوعظ والرعاية والطب النفسي.

ترجمة وثائقي: The Internet’s Own Boy: The Story of Aaron Swartz 2014 ابن الإنترنت البار: قصة حياة آرون سوارتز

ابن الإنترنت البار: قصة حياة آرون سوارتز (وثائقي 2014)

صفحة الفيلم على آي إم دي بي.
______________________
شاهدت لأول مرة هذا الوثائقي بالصّدفة تماماً، رأيتُ أسامة خالد قد كتبَ عنه على تويتر، كنتُ متوقّعاً شيئاً مثل: قضية تقنية بحتة لا زلت لا أملك كل الخبرات التي قد تجعلني أفهم تفاصيلها. لكنّي قلت: الأمر يستحق المحاولة، وأنا أصلاً مُعتاد على قضاء الوقت الذي لا أنشغل فيه بأولوياتي على الوثائقيّات، قمتُ بتحميله على الجهاز على أن أشاهده لاحقاً، ومرّ شهر تقريباً قبل أن أُقرِّر أن أفتحه وأشاهده.
أذكُر أني انتهيتُ منهُ وعيني تدمع. وأذكُر أني كثيراً ما أوقفته لأبحث عن المزيد من تفاصيل القصة على الإنترنت. أدهشتني القصة. هناك جوانب كثيرة أدهشتني في هذه القصة:
1- كم فاتنا من قِصَص النضال التي لم نسمَع بها؟ كم فاتنا من قصص الأشخاص الذين ضحّوا بحياتهم وبحرياتهم، لمحاولتهم أن يجعلوا من مبادئ نتّفق معهم فيها تماماً، واقعاً ملموساً؟
2- آرون سوارتز نفسه: شخصيّته، أفكاره ومبادئه والقيَم التي عاش عليها. نبوغه المبكّر جداً في البرمجة وإيمانه الأصيل بعدم انفصال مواهبه البرمجيّة عن الواقع السياسي والاجتماعي من حوله. نتحدّث عن شخص كان كل شيء حوله يشير أنه كان بإمكانه أن يكونَ شبيهاً تماماً بأغنى أغنياء العالم اليوم: مؤسِّسي مايكروسوفت وجوجل والفيسبوك وغيرهم. كانت هذه الحياة مفتوحة على مصراعيها بين يديه.
3- ما مقدار الظُّلم الذي يمتلئ به هذا العالم؟
4- جيستور JStor. الموقع الربحي لتوفير المقالات الأكاديمية:
منذُ تعرّفتُ على Google Scholar (جوجل:الباحث العلمي) وأنا أستخدمه كثيراً في الوصول لأبحاث ومقالات تهمّني. أبحث أحياناً في الفلسفة السياسية، في علم الاجتماع وعلم النفس، في فلسفة الجمال، وفي الكثير من المجالات التي تهمّني. أو في المواضيع التي أرغب في الاطلاع على مصادر أكثر عنها، سواءً لأني أريد الكتابة عنها أو لأسبابٍ فضولية ومعرفيّة بحتة.
كثيراً ما يُحيلني الباحث العلمي لجوجل إلى جيستور. وكثيراً ما تكون نهاية رحلتي هناك، أشاهد خلاصة المقال في البداية، أجد أنه تماماً ما كنتُ أريده. أحاول تحميله. أجد نفسي مُرغماً على أن أدفع حوالي 40 دولاراً مثلاً، أو أكثر أو أقل، على المقالة الواحدة. أقومُ بمراسلة بعض الأصدقاء المسجّلين في جامعات لديها وصولاً مجانياً إلى جيستور. يقومون بتحميله وإرساله لي. تتكرّر القصة فأخجل من سؤالهم مرةً أخرى. وهكذا.
قضيّة آرون الرئيسية كانت: أنه عن طريق جامعة MIT والتي تملك وصولاً مجانياً لجيستور، كتب نصاً برمجياً (كود) بلغة بايثون. استطاع من خلاله أن يقوم بتحميل تلقائي لعدد مهول جداً من مقالات جيستور، والتي كان من ثمّ سيوفّرها للنشر المجاني. لاحقه الادّعاء العام والإف بي آي ووجّهوا له تُهَماً لا تُحتمَل. لدرجة أن جيستور نفسها، تنازلت عن الدعوى المُقامة ضدّ آرون عندما رأت أن الادّعاء العام يريد أن يستغلّ هذه القضية لأهدافه الشخصية أكثر من رغبته في أن يكون مدّعياً عن جيستور.
بعد انتحار آرون بيومَين، قام شخصٌ ما برفع 35 جيجابايت على التورنت: مقالات مجمّعة من جيستور. تستطيع أن تقوم بتحميلها من هنا. وبالمناسبة، عالم مواقع التورنت أيضاً يحمل قصص نضال أخرى قد أتحدّث عنها في وقت آخر.
5- تذكّرت وأنا أشاهد الوثائقي، الحملة التي حصلت في عام 2012 ضد قانون (سوبا) و(بيبا). عندما دخلت بالصُّدفة إلى ويكيبيديا ورأيتها تقول بالخط العريض ( حرية الإنترنت في خطر ). ومن الوثائقي فهمت أن آرون كان عضواً فاعلاً في هذه الحملة ضد القانون.
اليوم، هناك مشروع يُقدَّم في الولايات المتّحدة يجعل شركات الاتّصالات تتحكّم في سرعة الإنترنت بحيث تُبطئ مواقع هي تقرّرها، مما يجعل مواقع الشركات الضخمة التي تملك أموالاً كافية تدفعها لشركات الاتّصالات، تحصل على أسرع تصفّح. وغيرها قد لا يحصل على ذلك إلا بمقدار ما يدفع. ليس مقصوراً ضرر مثل هذا المشروع على الولايات المتّحدة فحسب، بل سيؤثّر على الإنترنت في العالم كله. تُقام حملة واسعة الآنلحماية حيادية الإنترنت: Net Neutrality. (شاهد حلقة الكوميدي جون أوليفر في التعريف بالقضية).
وجدتُ نفسي لاشعورياً –وغالباً بتأثير من الوثائقي- مهتماً ومتابعاً لهذه القضية وغيرها. وأصبحت قليلاً قليلاً أرى أهمية المفاهيم التي تدور حول (حرية الإنترنت) والحرية المعلوماتية.
______________________
 اقتباسات من الفيلم:
– آرون:
” أثناء نشأتي، كما تعرف، بدأت في استيعاب أن كل الأشياء المحيطة بي، والتي أخبرني الناس أنها من طبائع الأمور، وأنها يجب أن تكون دائماً هكذا. إنها لم تكُن طبيعيّة أبداً. كانت أشياء من الممكن أن تتغيّر. والأهم أنها كانت أشياء خاطئة ويجب أن تتغيّر. وعندما أدركت هذا لم يكن لي أن أتراجع”.
– آرون:
“لقد كنتُ مُحبطاً جداً من المدرسة. واعتقدت، أن المعلّمين لم يتقنوا ما يتحدّثوا عنه، وكانوا متسّلطين وباحثين عن السيطرة، الواجبات المنزلية كانت مجرد حجة مزيفة لجعل الطلاب متذمرين، وإجبارهم على القيام بما يشغلهم.
وبدأت قراءة العديد من الكتب عن تاريخ التعليم، وكيف تطوّر هذا النظام التعليمي، و ما هي بدائله، والطرق التي ستمكّن الناس فعلاً من التعلّم، بدلا من أن يتقيأ المعلم الحقائق ليتجرعها الطلاب، وهذا النوع من الإحباط الذي قادتني إليه المدرسة، جعلني أُسائل الكثير من الأشياء، ومنذ بدأت في التشكيك في ومسائلة المدرسة، أصبحت أُسائل المجتمع الذي بنى المدرسة و أشك وأُسائِل العمليات التجارية التي بُنيت المدرسة لأجلها، و أشك وأُسائِل الحكومة التي، قامت بتنصيب هذه البنية كلها”
– آرون:
” إن الميراث العلمي والثقافي للعالم أجمع، الذي نُشر طوال القرون الماضية عبر الكتب والمجلات،  ترقمنه بضع شركات خاصة وتحجر عليه. وفي ذات الوقت، هؤلاء المحرومون منه، لن يرضوا أن يبقوا مكتوفي الأيدي، تبحثون عن الثغرات وتقفزون الحواجز، لتحرروا المعلومات التي احتكرها الناشرون، وتتشاركونها مع أصدقائكم.
لكن كل هذا يتم في الخفاء سرا، يسمونه سرقة أو قرصنة، كما لو كان تشارك كنز المعرفة يُكافأ أخلاقيا، بمثابة الاستيلاء على السفن وقتل طاقمها، لكن النسخ ليس عيبا، بل هو واجب أخلاقي. لا يمنع صديقَه من النسخ إلا من أعمى الطمع قلبه، ليس من العدل اتباع القوانين الظالمة.”

– صديقة آرون التي ورّطها الإف بي آي أيضاً في قضيته:
” لا زلت غاضبة. لا زلت غاضبة أنك قد تسعى بكل طاقتك لمساعدة هؤلاء على القيام بالصواب، لكنهم يقلبون كل شيء عليك. ويؤذونك بكل ما يستطيعون. وفي تلك اللحظة ندمت على ما فعلت [تقصد أنها أخبرتهم بشأن بيان طلائع النفاذ المفتوح].
لكن ندمي الأكبر أننا رضينا بذلك، أننا لم نمنع حدوثه، أننا راضون بنظام عدالة يسعى للتلاعب بالبشر، والإيقاع بهم في أفخاخ تدمر حياتهم. ولذا نعم، أتمنى أني لم أقل شيئا، لكني أشد غضبا أن هذا هو المكان الذي أنا فيه، أننا كشعب نظن ألا بأس في ذلك”
______________________
أتممتُ الترجمة مع الصديق أسامة خالد بتقسيم أجزاء الترجمة ثم مراجعة أحدنا للآخر، وعليّ أن أقرّ أنه رغم الجُهد المبذول، كان عملاً جميلاً ورأينا أننا نبذل جهدنا فيما يستحق.

التشبيح الجديد: أخونة كلّ شيء

التشبيح الجديد: أخونة كلّ شيء

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 14/07/2014.

بدايةً.. عن الشخصية التسلُّطية:

يُعد مفهوم «الشخصية التسلُّطية» من المفاهيم الكلاسيكية في علم النفس وعلم الاجتماع؛ تطوّر هذا المفهوم خلال القرن العشرين على يد فلاسفة ومفكّرين مدرسة فرانكفورت (معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، ألمانيا). وفي عام 1942، نشر عالم النفس الألماني إريك فروم دراسته «الخوف من الحرية» ليقدّم فيها مفهومه عن الشخصية التسلُّطية؛ واصفًا عمليات مثل: تقديس الحاكم «الفوهرر»، عبادة الدولة، باعتبارها دينًا علمانيًّا في العصر الحديث، بما تحمله كلمة دين من طقوس وعبادات واعتقادات يقينيّة.

لكن الأكثر شهرةً وإحالةً إليه دراسة الفيلسوف ثيودور أدورنو وزملائه والتي نُشِرَت في عام 1950 بعنوان: «الشخصية التسلطية» متناولًا الأسس السيكولوجيّة للسُّلطة وتفسير انتصار هذه «الشخصية التسلُّطية» في أوروبا في حينها. لاحقًا، وُجِّهَت انتقادات كثيرة لدراسته تُسائل المنهجيّة والنتائج والتعريفات التي اتّخذها.

لاحظ أدورنو وزملاؤه عدّة ملامح لهذه «الشخصية التسلُّطية» منها مثلًا: الخضوع التام للسلطة، عدم القدرة على تحمل الاختلاف والاعتقاد بضرورة تعنيف أولئك المختلفين، الميل للنظرة إلى العالم بوصفه مقسومًا بين البياض والسواد، الاعتقاد بالإجابات البسيطة المفسّرة للعالم مثل: “الإعلام هو الذي يسيطر على عقولنا”، “فقدان الأخلاق هو مصدر كل مشاكلنا”.

التشبيح بوصفه امتدادًا للشخصية التسلُّطية:

كما يُلاحظ د. عبدالسلام المسدّي أن إطلاق الاسم هو اختيارٌ في حدِّ ذاته يتضمّن نوعًا من التأويل ولونًا من الإدراك، وأن فعل التسمية نفسه هو جزء لا ينفصل عن الأيديولوجيا السّياسية. ويُعد عام 2011 من أكثر الأعوام التي نُحِتَت فيها مصطلحات جديدة لتُضاف إلى قاموس الخطاب العربي. ظهر مصطلح «الفلول» في مصر مثلًا، ومصطلح «الشبيحة» في سوريا؛ رغم أنه كان موجودًا سابقًا لكنه لم يكُن معروفًا.

في البدء، كان يُشار إلى الشبيحة بوصفهم: العصابات المدرّبة الموالية للنظام والتي تعمل ميدانيًّا بصورة غير رسمية لتصفية الثوّار. ثم لم تلبث الكلمة أن امتدّت لتشير إلى كل من يبرّر عُنف الدولة ويُساند النظام، فأصبح هناك بالإضافة إلى الشبيحة الميدانيّين: تشبيح إعلامي، تشبيح ثقافي، تشبيح إلكتروني، إلخ.

الملامح التي حدّدها أدورنو للشخصية التسلّطية تبدو قريبةً جدًّا من نماذج «الشبّيحة»، نحن نتحدّث عن أشخاص في سبيل دفاعهم عن نظامٍ ما، لديهم قابليّة لتبرير أي شيء، وقناعة تامّة بأن كل ما يحصل هو مؤامرة تدار من مكاتب (إسرائيلية- أمريكية)، وبسهولة ينسبون المختلفين معهم إلى أنّهم عملاء لتنظيمات دوليّة أو لأجانب يسعونَ لتخريب الوطن.

التّشبيح الجديد.. مصر وشمّاعة الإخوان مرة أخرى:

يبدو الحديث عن «شمّاعة» الإخوان أو الإسلاميين مألوفًا ومتكرّرًا؛ إذ دأبت كثيرٌ من الأنظمة العربيّة في تصفيتها للمعارضة بحجة انتمائها للإخوان. ورغم أن هذه الفكرة تُقال كثيرًا، إلا أنه لا زال معمولًا بها من قبل أنظمة وإعلاميين ومثقفّين على نفس الوتيرة. ظهرَ هذا مبكّرًا من بداية أحداث الربيع العربي في 2011 من أصوات مناهضة له تنسب ما يحصُل على أنه مؤامرة إخوانية؛ في مقابل رواية الثوّار لما يحصل بوصفه انتفاضة شعب يطالب بالحرية والكرامة والعدالة.

كان مصطلح «الدولة العميقة» يُطلق بدايةً على توغُّل الجيش والمؤسّسات الأمنية في مصر في مفاصل الدولة والمجتمع، انقلبَ هذا المصطلح ليصبح دلالةً على توغُّل الإخوان وبالتالي تبرير اعتقالات كثيرة بناءً على انتمائها للإخوان.

يبدو واضحًا أن هذه الفكرة تُعَدّ مرحلة تالية على سؤال أسبق: هل يجب أصلًا ملاحقة الإخوان واعتقالهم؟ بدا هذا السؤال مفروغًا منه أمام الصورة المشوّهة التي تركها الإخوان في الذّاكرة خلال فترة حكمهم؛ ورغم أن الإخوان مسؤولون عن هذه الصورة التي صنعوها بأيديهم، إلا أن هذا لا يعني تجاهُل السؤال عن ما يجب فعله تجاههم وتركهم تحت رحمة المؤسّسة الأمنية.

في 25 يناير هذا العام، انطلقت مظاهرات ذكرى الثورة، ومنها «مسيرة المعادي» التي اُعتُقِل فيها 20 شخصًا أعلنت النيابة العامة عن أسمائهم. ومن هذه الأسماء: الناشطة نازلي حسين؛ عضوة في مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين»، اتّهمتها تحريّات الأمن الوطني بالانتماء للإخوان المسلمين، رغم أنها كانت مشاركة في 30 يونيو 2013 ومُطالبة بإسقاط نظام الإخوان. وخرَجت بعد ذلك الاعتقال بثلاثة أيام.

«تيتو» هو لقب يُطلق على شاب مصري اسمه: طارق محمد حسين، وعمره 21 سنة وينتمي لحزب الدستور، اُعتُقل «تيتو» في مسيرة المعادي نفسها 25 يناير 2014 ولا زال للآن، واتِّهَم رسميًّا بالانتماء لجماعة الإخوان. طارق «تيتو» نفسه، متّهم في قضيّة أخرى -رُفعت خلال فترة حكم الإخوان- بالاعتداء وتخريب مقر مكتب الإرشاد بالمقطّم. هو ذات الشخص، اُتِّهَم مرةً بالاعتداء على الإخوان ولا زالت القضية سارية، واُتِّهَم أيضًا بالانتماء للإخوان وأُعلِن الحكم عليه -بسنتين سجن- في بعض الصُّحف المصرية.

بقدر ما تبدو قصّة «تيتو» هذه، قصّة من أغرب القضايا السياسيّة في مصر، إلا أنها تُشير بوضوح إلى مدى عشوائيّة الاتّهام بالانتماء للإخوان.

إعلاميًّا، لم ينجُ «وائل غُنيم» أحد مؤسّسَي صفحة «كلنا خالد سعيد» من اتّهامه بالانتماء للإخوان، و«الإعلامي مصطفى بكري» يقول إنه يملك وثائق تؤكّد انتماء «باسم يوسف» أيضًا للإخوان. وقصة «أبلة فاهيتا الإخوانية» من أكثر الأشياء المثيرة للسخرية والتي تشير إلى سياسة: أخونة كل شيء. ويستمر الحال هكذا.

.. وفي السعودية أيضًا:

في 8 يناير من العام الجاري، أنشأ مجموعة من الأشخاص هاشتاقًا على تويتر بعنوان: اختراق الإخوان لمؤسّسات الدولة، ناسبين فيه تواجدًا يمثّل خطرًا أمنيًا على الوطن للكثير من أعضاء الإخوان داخل وزارتَي الثقافة والإعلام، والتربية والتعليم. وغيرها من مؤسّسات الدولة.

وفي أواخر شهر مايو من العام الجاري، وتعليقًا على ضعف الإقبال على الانتخابات الرئاسية المصريّة وقتها، كتب د. فهد العرابي الحارثي عدّة تغريدات مفسّرًا فيها سبب ضعف الإقبال بتجاهل شباب 25 يناير وعدم الرغبة في عودة «حكم العسكر». هُوجِم العرابي واتُّهِم بتهمٍ منها تهم شخصيّة تنسب رأيه هذا لرغبته في تحقيق مصالح خاصة، ومنها تهم تخوين ومخالفة للوطن وتعاطُف مع جماعة صُنِّفَت رسميًّا على أنها إرهابية «الإخوان».

وفي 8 يونيو من العام الجاري، نشرت صحيفة الاقتصادية مقالًا للكاتب محمد جزائري بعنوان: (كيف أيقظ «الإخوان» و«اليسار» الهوية المناطقية لدى «صوفية الحجاز»؟)، رابطًا فيه بين الحِراك الذي يُطالب بوقف هدم الآثار في مكة بالإخوان وغيرها من الروابط العجيبة التي يصعب إيجاد أي منطق لها.

الكاتب في صحيفة عكاظ خلف الحربي كتب في 31 أكتوبر 2012 مقالًا بعنوان: «هلكتونا بالإخوان!» مشيرًا فيه بسخرية إلى «بعض المثقفين والصحفيين المنافقين» الذين تخصصوا تلك الأيام -وحتى الآن!- «في تضليل الشارع العربي وإلصاق أي تهمة بالإخوان المسلمين».

ولكن.. ماذا لو كان حقيقةً؟

إذا كان تلفيق التهم والاتهام بالانتماء للإخوان واضحًا في مصر، فهل هو كذلك في السعودية؟ وهل فعلًا الدولة مخترقة من قبل «الإخوان»؟ وماذا لو كانت كل هذه التهم صحيحة؟

كل هذه الأسئلة مشروعة وتستحق المناقشة، لكن ليس قبل تفسير أولًا معنى هذا الانتماء، فجماعة مثل الإخوان المسلمين كانت في السعودية تحظى بدعمٍ حكومي واسع، من الطبيعيّ جدًّا أن يبقى لها جمهورها ومحبوها. لكن هل يفرّق هؤلاء «الشبيحة الجدد» بين الانتماء إلى «التنظيم الدولي» وبين الانتماء لأدبياتها العامة ومجمل أفكارها؟ هم لا يفرّقون. هل يفرّقون بين الانتماء إلى الإخوان وبين التعاطف مع الضحايا واحترام حق الإنسان مهما كان توجّهه؟ هم لا يفرّقون. وهُم غير معنيّين سوى بترويج بروباجندا «فوبيا الإخوان» دون أن تعنيهم أيٍّ من تلك الفروق؛ وبسهولة شديدة جدًّا يرمونَ المختلفين معهم بتهمة الانتماء للإخوان.

عن الاعتقال السياسي وعواقبه: كلمة لا بد منها

عن الاعتقال السياسي وعواقبه: كلمة لا بد منها

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 08/07/2014.

إلى وليد أبو الخير، حرًّا أينما كنتَ..

-1-

يثير الاعتقال، أيّ اعتقال –بالمعنى الواسع له-، سواء كان لقضية عادلة أم ظالمة، كان متهمًا بريئًا أم مدانًا، يثير أسئلة جوهرية وأساسية حول شرعيّته ومن ينفّذه. لأن السجن، كما يقول ميشيل فوكو، هو المكان الوحيد الذي تظهر فيه السلطة في شكلها العاري، في بُعدها الأكثر تجاوزًا، وتبرر نفسها بوصفها سلطة أخلاقية. فلهذه السلطة الحقّ فيما تقرره من عقوبات بما أن السجين مارس سلوكًا ممنوعًا. تجربة السجن هذه، سواء لقضية عادلة أو ظالمة، هي بحد ذاتها، كما ينص فوكو، للمرة الأولى تظهر فيها السلطة ولا تتخفى ولا تتستر ولا تتقنع. وإنما تظهر بوصفها طغيانًا شاملا ومنتشرًا في أدق التفاصيل، طغيانًا فجًّا. وخاصّة أنه مُبرَّر تمامًا، ما دام يستطيع أن يتشكّل داخل أخلاق ومبادئ تؤطر عمله وممارسته وتجعله شرعيًّا ومطلوبًا. فطغيان السجن هذا يظهر بوصفه هيمنةً هادئةً للخير على الشر، والنظام على الفوضى. أو هذا ما يدعيه السجن.

يحصُل هذا في كل اعتقال، بنفس القدر فيمَن كتبَ قصيدة وقال رأيًا أو فيمن قتل بريئًا، تُثير تجربة السجن هذه أسئلة عند هذا المعتقل وذويه ومحيطه الاجتماعي: من الذي يجب أن يكون في السجن؟ وما هي المبررات؟ ما الهدف من العقوبة ونظام العقوبات في النظام القائم؟ هل للسلطة التي مارسته الشرعيّة في ممارسته؟ وهل هو تحقيق للعدالة؟ تُثار هذه الأسئلة في كل المحيط الاجتماعي الذي يرتبط بهذا الفرد المُعتقَل، أسرته وأقاربه وأصدقائه وكلّ مَن يعرفه من قريب أو بعيد.

-2-

في حالة الاعتقالات على خلفية جرائم جنائية، أو القضايا التي يدرك الجميع تبرير وجود العقوبة عليها: القتل، السرقة، الاعتداء، الفساد،.. إلخ، يأتي أولًا حضور سُلطة الكلمات فيتحوّل الحديث عنه من كونه (اعتقالًا) -الكلمة التي تحيل دائمًا للممارسة التعسُّفية- ويتم استبدالها بكلمة (توقيف) أو (حكُم بالسجن)؛ وتأتي ثانيًا المبررّات والأجوبة على تلك الأسئلة بشكل مُقنِع ومرضٍ لدى هذا المحيط الاجتماعي كلّه، إلى حدٍّ ما. ولا يبقى إلا مجرد التعاطُف. فإقناع ابن السجين الذي قتل، بأن والده ارتكب جريمة أضرت بالمجتمع واعتدت على حقوق آخرين ولا بدّ من عقوبته عليها، يصبح أمرًا سهلًا ومبرّرًا أخلاقيًّا. لا يمنع هذا من أن أسئلة جديدة ستولد عنده، من باب التعاطف أيضًا لا من باب الوعي الحقوقي، تبحث عن حقوق هذا السجين، في المحاكمة العادلة، وفي معاملته بكرامة، وتوفير متطلباته، و.. إلخ. ويبدو حضور هذا “الإقناع” ضروريًّا ليُعطي “الشرعيّة العقلانية” لمنفّذه.

-3-

هناك حالة أخرى من الاعتقالات تُثار فيها تلك الأسئلة لكن بلا أجوبة “مقنعة”. ذلك أنّ خلفية المعتقل فيها لا تُعدّ كأيّ شيء مما ذُكِر؛ فهو قال رأيًا، أو كتب مقالًا، أو وقّع على بيان، أو شارك في مطالبة علنيّة بإصلاحات يؤمن بضرورتها. أو ربما ليس شيئًا من هذا كله؛ فهو معتقل فقط لأن هناك أمرًا مجهولة أسبابه صدرَ باعتقاله، ولم تُقدّم السلطة التي نفّذت هذا الاعتقال أيّ تبرير له سواء بمحاكمة عادلة أو ببيان واضح بجرائمه.

في حالة اعتقالات كهذه، أعني المتعلّقة برأي أو محض اشتباه أو حتى بلا أي تبرير، تبدو فيها كل تلك الأسئلة بإجابات غير مُقنعة. يجعل هذا من تلك الأسئلة هاجسًا، وتتحوّل قضية المعتقل، القضية التي كان يؤمن بها، أو قضية الاعتقال نفسها، تتحوّل إلى قضيّة متفشّية في كل هذا الوسط الاجتماعي الذي كان يحيا فيه هذا المعتقل. أريد أن أتحدّث قليلًا عن هذا التفشّي، مستفيدًا هنا من بعض أفكار جيمس سكوت، في كتابه: «المقاومة بالحيلة، كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟».

-4-

بنظرة إلى حالة المجتمع السعودي، وباستعراض حسابات تويتر المتزايدة المهتمّة بقضية الاعتقال، وهذه الحسابات رغم تأثيرها المحدود على تويتر، إلّا أنها تعكسُ واقعًا عمليًّا يتشكّل وينمو، (لنتذكّر مثلا: اعتصامات بريدة والأعداد التي خرجت إليها والتغطية التي حصلت عليها في تويتر -سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مطالب هذه الاعتصامات-)، ما يُمكن ملاحظته يمكن كتابته على النحو التالي: داخل المجتمع الكبير الذي يقع تحت هيمنة ورقابة السلطة، ينشأ مجتمع صغير بعيد قدر الإمكان عن أعينها، مجال اجتماعي يوفّر قليلًا من «الأمن النسبي»، يضم إليه من يثق فيهم ويرتاح لهم، يُتاح داخل هذا المجتمع الصغير لهذا الخطاب أن يعبّر عن نفسه بحريّة، أتحدّث عن خطاب وراء الأبواب المغلقة، والمقاهي والاستراحات والجلسات الخاصة. كلما ظهر للعلن أكثر فأكثر يخفّف هذا الخطاب من حدّته ويضعه في قوالب أكثر قبولًا وملاءمة لدى السُّلطة، أو يقول بصراحة ما يريده فيمَ يُفهم من قبل السُّلطة أنه تحدٍّ لها.

نمَط العلاقات الذي يسود في هذا المجتمع هو شعور متوحّد بالاضطهاد، والظلم، والرغبة في التغيير، يكوِّن هذا الشعور ما يُسمّى “ذاكرة احتجاجية” لا تُنسى، ولهذا المجتمع ما للمجتمع الكبير من تنوُّع واهتمامات مختلفة، لكنّه يتوحّد على أهداف ومصالح مشتركة ربما لا تكون حتى مُدرَكة بشكل دقيق. فهذا التوحُّد ليس برنامجًا حزبيًّا أو مشروعًا سياسيًّا، بقدر ما هو قضية الظلم نفسها. يجذّر هذا الشعور السائد كراهية تتكثّف عبر الصّمت والتورية في العلن، ورغبة في الانتقام والثأر والغضب مستترًا.

في فصل بعنوان: «توفير حيّز اجتماعي لثقافة انشقاقية تحتيّة»، من كتابه المذكور، يحدّد جيمس سكوت «الجمهور/ مستمعي الخطاب المستتر» كحلقة تضم الأقارب والأقربين والأصدقاء والجيران وزملاء العمل والرفاق. «فالرفاق إذ يعانون من المذلّة نفسها، أو -وهذا أسوء- يكونون عرضة لأساليب السيطرة نفسها، يكونون ذوي أهمية مشتركة في خلق خطاب الكرامة والرفض والعدالة بصورة مشتركة. وهم يمتلكون، بالإضافة إلى هذا، مصلحة مشتركة في إخفاء حيّز اجتماعي يكون بعيدًا عن رقابة أصحاب السيطرة، ويمكن فيه للخطاب المستتر أن يُصاغ وسط مكان آمِن نسبيًّا». «فالكرامة، تُعتبر، وفي الآن عينه، مُعطى شديد الخصوصية وشديد العمومية».

وبالنسبة لسكوت، فهذا الرفض يستنِد إلى ما تمّ تسميته في علم النفس الاجتماعي «نظرية رد الفعل» المستمدّة من النظرية الكلاسيكية للعدوانية: «تنطلق نظرية رد الفعل من الإرهاص القائل بأن ثمّةَ رغبةٌ بشريّةٌ في الحصولِ على الحرية والاستقلال، وأن هذه الرغبة حين تجد نفسها تحت وقع التهديد باستخدام القوة ضدّها، تقود صاحبها إلى رد فعل معارض». ثم يُلاحظ أن حدّة ردة الفعل هذه، يمكن أن تكون أخفّ بكثير لو كان هناك ثمّة «إقناع» مُصاحب لذلك التهديد يُعطيه صفة معقولة.

-5-

يتحوّل هذا الاضطهاد كهُويّة لهؤلاء المضطهَدين، فهُم يعرّفون نفسهم كـ«أسر المعتقلين» و«مناصريهم»، وتُصبح علاقاتهم مع السلطة علاقات: نحنُ وهُم. نحنُ الذين اعتُقِلَ فردٌ “منّا”، وهُم الذين نفّذوا ومارسوا هذا الاعتقال وآذونا في حريتنا وكرامتنا. يتغذّى هذا الشعور بالاضطهاد بكل أدبيّات الحرية والقانون وتحقيق العدالة. لا يرى نفسه مضطرًا إلى ثقافة سياسية عميقة وتكوين رُؤى واضحة، فقضيته في بادئ الأمر هي قضية الاعتقال وحسب، لكنّ مرور الوقتَ وعناد السلطة وعدم استجابتها سيجعله يُطوّر رؤاه السياسية ويتمسّك بما يؤمن به أكثر، وتتجاوز رؤاه السياسية قضية الاعتقال إلى قضايا غيرها.

يبني نظامه وقيَمه ومفاهيمه الأخلاقية الخاصة به، فالأكثر شجاعة هو من سينُاكِف هذه السلطة أكثر، والأكثر فعالية هو من سينشر وعيًا في المحيط الاجتماعي أكثر بهذه (القضية)، والخائن هو من سيتحالف بأي شكل من الأشكال مع هذه السلطة، ولو كان هذا الوسط الاجتماعي متديّنًا، فسيجد كل النصوص الشرعية التي تحثّ على إقامة العدل ورفض الظلم والجهر بالحقّ وما إلى ذلك.

يُلاحظ هنا أن كل هذا لا يؤصّل لحالة حقوقية بقدر ما يؤصّل لغضب ساخط ورغبة في تحقق كل ما من شأنه سيدفع لاحترام كرامتهم وكرامة المعتقل الذي لهم، فهو هم شخصي ورغبة منطلقة من هذا التعاطف لا من نظرية في الحقوق والسجن. يختلف هذا الأمر مع اعتقالات الأفراد الذين كان الاعتقال بحد ذاته قضيتهم (في السعودية، يمنك أن نتذكر محمد البجادي، وليد أبو الخير، كمثاليْن)، وكانت كلماتهم مُلامسة لمشاكل يشعر بها الكثير. فبالنسبة لأفراد كهؤلاء، يتجذّر لذويهم ومعارفهم الإيمان بالقضية التي كانوا يحملونها، أو على الأقل يُعرف أكثر السبب الذي اعتُقِلوا لأجله. يُشاهد مثلًا هذا الازدياد بالاهتمام بالقضايا التي تدخّلت السلطة فيها عند انتشار المقالات التي يُعتقل على خلفيتها صاحبها أو يُوقف من الكتابة وعدد المشاهدات التي يحققها.

-6-

لكل هذا كان معقولًا جدًّا لموقف د. عبد الله الحامد ود. محمد القحطاني عندما كان جزءًا كبيرًا من مشوارهم المطالبة بأن تُصبح محاكمتهم «علانية»، فهُم على دراية بمآلهم وسجنهم في النهاية، لكن، كما يقول جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984» عن مواقف ولحظات اليأس: «إن كان هنالك ثمّة أمل، فهو يكمُن في عامّة الشعب»، -ونخطئ حين نقرأ هذا الأمل باعتباره: التخريب أو التحريض أو الرغبة في الثأر، فهو أقرب إلى الوعي وولادة الحس الوطني الجديد-. كان المقابل الذي نالَوه هو أن يخرُج الخطاب «المستتر» إلى العلَن. أن يعرف عددٌ أكبر قضيتهم. أن يعرف مواطنون عاديون وبسطاء جدًّا القضية التي كافحوا لأجلها والمطالب التي طالبوا بها.

نحن أمام واقع اجتماعي في طور التشكُّل، لا أحد يُدرِك عُمق الأبعاد التي قد يأخذها في المستقبل، ولو سألنا: من صاحب القرار؟ من الذي يُصدِرُ قرارًا باعتقال فلان وفلان؟ كيف يتمُّ أمرُ الاعتقال نفسه؟ ربما بالإجابة على هذه الأسئلة -بقدرٍ من التبسيط- نعود إلى أسماء قليلة تأخذ مواقعا مختلفة داخل السلطة، تتأثّر قراراتهم بالثقافة السياسية لهم ومدى إدراكهم للواقع بقدر ما تتأثّر بمزاجهم اليومي وجودة كوب القهوة. والخطورة دائمًا أنّ هذا التفاوُت البيروقراطي الذي لا يرى الأثرَ الداخليّ والمستقبليّ لقراراته، يجعل الأمور تتراكم وتتعقّد أكثر.

قال الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية: «نحن، في المملكة العربية السعودية، نعتقد بضرورة الإصلاح السياسي، لكن يجب أن يكون بالتدرّج، وفيًّا لمطالب شعبنا، وأن يحمي نسيجه الاجتماعي» [صحيفة الحياة: 25/02/2005]. في الحقيقة، «حماية النسيج الاجتماعي» مفهوم مركزي في بنية أي دولة، لكن السؤال: متى كانت نتيجة الإصلاح السياسي سلبية تجاه النسيج الاجتماعي؟ وما المفترض فعله تجاه واقع يجعل الإصلاح السياسي هو وسيلة الاستقرار و«حماية النسيج الاجتماعي»؟ وما طبيعة هذا التدرُّج الذي نسمع به؟ لا أحد من الإصلاحيين المسجونين حاليًا يُريد شرًّا بالسُّلطة السياسية أو هو على درجة من الثوريّة بحيث يتمنّى تغييرًا جذريًّا لكامل الهرَم أو يشجّع على خطوات تفتح الأبواب على المستقبل المجهول. وهنا يكمن فرق أساسي بين الإصلاح الذي ينطلق بمطالب محددة من داخل النظام أو الثورة التي تريد إسقاط النظام كاملًا والبحث عن نظام بديل.

-7-

يمكن أن ألخّص ما أريد قوله هنا في أن فعلَ الاعتقال التعسفي فيما هو سلوك سلطوي يخلُق بالضرورة هُويّة متطرّفة مضادّة لمنفّذيه، وإن وجود هُويّة كهذه لا يمكن أبدًا أن يُنشئ حالة وطنيّة ينسجمُ فيها الجميع. وإنه حينَ تنعدمُ المبررات للاعتقال والاقتناع بضرورته؛ يتوالَد الشعور بالظلم وينمو داخل وسط اجتماعي كلما ازداد كلما كان الغضبُ الذي يكنّه أكثر ويأخذ أشكالًا عدّة يعبّر بها عن هذا الغضب ويسهل انجرافه لأفكار تدميرية وفوضويّة وغير مسؤولة. وإن تأخير وتهميش المعالجة الحقيقية لملف الاعتقال أو لملف سجن الإصلاحيين ليست هي لا في مصلحة هذه القضايا نفسها ولا هي في مصلحة الوطن الذي نعيش فيه ويهمنا أمنه ولا هي في مصلحة «النسيج الاجتماعي» الذي تريد كل دولة أن تُبقيه محميًّا، وإن الاستهتار بتراكم الغضب على السلطة من ذوي المعتقلين وأسرهم يقود دائمًا إلى ما قد يفلت من السيطرة أو يرسّخ كراهية متّسعة لا يتمناها أي مُحب حريص لهذا الوطن.

وأقولُ أخيرًا ما يفتتحُ به كل صباحٍ على تويتر الأستاذ عصام بصراوي: الإصلاح أسهل الخيارات، وأقلّها كلفة.

«داعش» وبؤس محاولات فهمها

«داعش» وبؤس محاولات فهمها

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 01/07/2014.


من 10 يونيو 2014 حيث سيطرت «الدولة الإسلامية في العراق والشام- داعش» على الموصل، وداعش هي الخبر الأوّل والأهم في محطّات الأنباء. وفي 22 يونيو حيث سيطرت أيضًا على مدينة الرطبة، القريبة من الحدود الأردنية والسعودية، أصبح نقاش وتحليل وفهم تنظيم داعش هو الموضوع الأكثر طرحًا على الساحة.

وكذلك أيضًا بعدما أُعلِن من قبل مجلس الأمن الوطني السعودي برئاسة الملك عبد الله في 26 يونيو باتخاذ «الإجراءات اللازمة لحماية مكتسبات الوطن وأراضيه»، حيث بدا للجميع مدى جدّية الأمر -فهذا المجلس لا تُعقد جلساته إلا في أوقات طارئة قليلة ولهجة البيان قريبة جداً من المادة 61 من النظام الأساسي للحكم والتي تنص على أن الملك هو «من يعلن حالة الطوارئ، والتعبئة العامة، والحرب».

أصبح السؤال المُلح في مثل هذا الظرف الحرج: «من هؤلاء وما الذي يجب علينا فعله تجاههم؟ ولماذا ذهب بعض أبنائنا إليهم؟»، «نحن» كدولة ينتظر من صنّاع القرار فيها قولًا حاسمًا، و«نحن» كمجتمع وإعلاميين ومثقفين وشخصيات عامّة يجب أن نقدّم دورًا وطنيًا وقراءة ووعيًا بالأحداث.

عدة فرضيّات لتحليل وفهم دوافع داعش طُرِحَت في الوسائل الإعلامية المختلفة طوال الفترة الماضية، ومن قبل دخولها للموصل. أُريد هنا مناقشة فرضيّتين من هذه الفرضيّات:

1- داعش مرتزقة مشتركين في مؤامرة وراءها النظام السوري والإيراني.
في الحقيقة، فرضيّة أن «داعش» تخدم النظام السوري هي فرضيّة واقعيّة جدًا، فقط من حيث إنها تُتيح للنظام السوري أن يقول: «انظروا ما البديل؟». وهذا الجانب هو ما يركّز عليه من يتبنّى هذه الفرضيّة. (مثلاً: مقال: من صنع داعش؟، إبراهيم معتوق عساس، صحيفة المدينة 29/6/2014. ومقال: من صنع داعش؟، د. عبد الله القفاري، صحيفة الوطن 28/10/2013).

يُعفي نفسه هذا الطّرح من تقديم أي أدلة أو مادة حقيقيّة تثبت هذا التواطؤ المزعوم. والطريقة التي اتّخذتها داعش في قتل قادة الصحوات العراقية وأفراد النظام العراقي الذين تمكّنوا منهم، والتهديدات التي أطلقتها والدُّول التي تخطّط للاستيلاء على أراضيها، تتعارض تمامًا مع أي مصالح إيرانية أو سورية في المنطقة مهما كانت الصورة التي تتركها داعش خادمة لهم.

جدير بالذكر أن هذا الطّرح كان يُدخل المخابرات العراقية في مؤامرة «صناعة داعش»، باعتبار أن نظام نوري المالكي هو عنصر ثالث مستفيد من وجود داعش بالإضافة إلى إيران وسوريا، لكن التطورات الأخيرة لتنظيم داعش تجعل من هذه الفكرة سخيفة جدًّا؛ فلا أحد يمكنه أن يصف ما يحصل باعتباره خادمًا للنظام العراقي.

2- «داعش» مشكلة فكريّة مرتبطة بالمنهج الوهابي.
مؤخّرًا، نشر أحد أفراد تنظيم «داعش» على تويتر صورة كتاب «التوحيد» لمحمد بن عبد الوهاب مطبوعًا على نفقة التنظيم وعليه شعارها بحيث يُدرّس هذا الكتاب. أمرٌ آخر جعل الرّبط بين «داعش» الآن و«محمد بن عبد الوهاب» سابقًا، هو تشابه السرديّة التي تقول: «أتى ليخلّص المجتمعات من الشرك والجهل والانحراف عن دين الله وتوحيد المسلمين ورفع راية الإسلام».

تحمل هذه الفرضيّة بُعدًا يبدو حقيقيًّا من حيث التشابه في الأصول والمرجعية المشتركة وخطاب البدايات رغم التجليّات المختلفة. لكنّ المشكلة حين يتحوّل هذا الرّبط إلى «تفسير لوجود داعش». التركيز على الجانب الفكري المكوِّن لداعش هو تفسير للحلقة الأضعف في حقيقة وجودها الآن. رؤية ما يحصُل الآن من قِبَل داعش بوصفه «انحرافًا فكريًّا» يعني تجاهُل كل الاعتبارات الأخرى. والنظرة إلى الحركات الجهادية بوصفها «أفكارًا» ممتدّة من فتاوى ابن تيمية ورسائل وكتب محمد بن عبد الوهاب هو عين اللاواقعية في التحليل وتجاهل كل تعقيدات الحاضر. البُعد الفكري له أهميّة واعتبار، لكنّه وحده لا يُنتِج حركة وتنظيم مثل داعش.

تذكّرنا عمليّة الاختزال هذه بما حدث بعد 11 سبتمبر 2001 في ساحة الجدل السعودي وقتها «الصحف والمنتديات الإلكترونية»، حيث تمّ توجيه أصابع الاتّهام مباشرةً للوهابيّة. والفارق الآن: أن داعش وخطورتها أمرٌ أكثر جديّة بكثير من محاولة البحث عن أيّ وسيلة لتوظيفه في صراع تيارات داخليّة. توظيف «داعش» أو غيرها في صراع واختلاف التيارات أمر طبيعيّ جدًّا، كلّ حدث في العالم من الطبيعي أن يتم استحضاره أثناء الحديث عن مشكلة فكرية مرتبطة به. لكن المشكلة هي في محاولة إيجاد أي وسيلة لضرب تيار معيّن مهما كانت هذه الوسيلة تختزل عوامل معقّدة عدّة في بُعد واحد.

تمتدّ هذه الفرضيّة إلى إلقاء اللوم على كتُب التراث واستحضارها. وهنا يمكن لنا أن نقف على مثالين:

1- نجد مثلًا الكاتب محمود جمال، يكتب في 23 يونيو في «دوت مصر» مقالًا بعنوان: «رحلة البحث عن داعش» يقول فيه: «يبدأ الطريق إلى داعش من المكتبة». واصفًا كتُب التراث الإسلامي والنظرة التقديسيّة لها بأنها تدفع إلى استقلال الطائرة إلى العراق أو سوريا «أملًا في حصد أكبر عدد من الأرواح، بمساعدة رفاقك في داعش». مستندًا على بعض روايات البخاري وسيرة ابن هشام وغيرها من المصادر.

2- والمثال الآخر: الأستاذ فهد الشقيران في مقاله في 29 يونيو في الشرق الأوسط «داعش.. حشاشون بلا قلاع»، فبالنسبة له «صيغ الدم والاحتلال والمباغتة والقتل، وثقافة الدماء والأشلاء» هي «امتداد فكري للتنظيمات “الانشقاقية” التي تركز على مبادئ الانفصال والتحرك بالفراغات والافتيات على الأزمات»، وأن “الأصولية الإسلامية” «تجمعها خطوط كبرى على مستوى الأيديولوجيا والدوغمائية في التفكير والمبادرة الدموية في التنفيذ؛ لهذا أصبح استحضار حالة “الحشاشين” معتادًا في الدراسات التي تتعلق بالإرهاب والخلايا القتالية العنيفة».

ثم يختم مقاله بأنّ «تعقيدات الحدث السوري والتخلي الغربي عن المنطقة» له أكبر الأثر في إعادة إنتاج أتباع هذه الحركات «الأصولية». وإن قلعة «آلموت» للحشاشين وساحة الموصل الآن لداعش تستند على «بنية أصولية دموية» واحدة، وأنّه من العبث أن نتحدّث عنها بوصفها «إرهابًا طارئًا» أو «ثقافةً دخيلةً»؛ فهي موجودة من قبل.

بلا شكّ أنّ تفسير وجود داعش، ومن قبله تنظيم القاعدة، يحتاج للكثير من البحث والحذر، وأول خطوة منهجية في أي محاولة تفسير لظاهرة اجتماعية؛ النظر إلى كلّ أبعادها. وتنظيم مثل داعش، يشكّل البُعد التُراثي أو الفكري فيه بُعدًا واحدًا فقط من أبعاد متعدّدة قابلة للبحث والتفكير.

من هذه الأبعاد المرتبطة بفهم داعش أو الحركات الجهادية بشكل عام: مشكلة استقلال الدولة العربية وتبعيّتها للغرب والنفوذ الغربي فيها؛ الاستبداد وعُنف الدولة وعلاقته بالتحوُّل من الحراك السلمي إلى العنف المسلّح؛ دور الدول العربية في القضايا ذات البُعد القومي مثل: فلسطين سابقًا والآن وسوريا؛ الاندماج الاجتماعي في الدولة العربية؛ الإسلاميون وأفكارهم وتأثيرهم في المجتمع وموقف الأنظمة العربية منهم… وغيرها من الجوانب التي لا أتجرّأ أن أدّعي حصرها أو أتحدّث بلغة وثوقية يقينيّة من أثرها، فضلًا عن تجاهلها واختزالها في المكوِّن الفكري التراثي.

كيف ينتج العنفُ مزيدًا من المقاومة؟

كيف ينتج العنفُ مزيدًا من المقاومة؟

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 23/06/2014.

-1-

في آخر أيام الحرب العالمية الثانية، وقّعت وفود 50 دولة على «ميثاق الأمم المتحدة» والذي ينص في المادة الثانية منه على امتناع الموقّعين في علاقاتهم الدولية عن «التهديد باستعمال القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة». وفي المادة 51 من الميثاق ينص على أن هذا الميثاق لا ينتقص «الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة». كثيراً ما تُذكر هذه المواد بوصفها تُعطي مشروعيّة وتبرير للمقاومة المسلّحة، وإن كانت المقاومة بطبيعة الحال لا تحتاج إلى هذا التبرير.

عوامل كثيرة جداً جعلت العلاقة بين العُنف والمقاومة تعود في أبسط صورها إلى الفكرة الأكثر قدما في سلوك الإنسان: الفعل ورد الفعل. ومن هنا أتساءل: هل ينجح العنفُ في القضاء على المقاومة وفرض إرادته؟ وماذا لو أنتج العنفُ مزيداً من المقاومة وألهم حماسها أكثر؟

والعنف الذي أقصده هنا بمعنيين: 1- العُنف الداخلي للنظام الاستبدادي، كان هذا العنف عبارة عن: التخويف والترهيب من نقد الدولة أو الاعتقال التعسفي أو التمييز العنصري أو التجريم غير المعقول لأفعال معيّنة أو أي شكل من الأشكال التي تدخل في قائمة الانتهاكات والاضطهادات. 2- العُنف الآتي من الخارج من نظام مُحتل أو استعماري، من تهجير وتشريد ومساس بالاستقلال السياسي واتخاذ كل الأساليب الممكنة من قتل وتعذيب واعتقال لتحقيق ذلك.

ألا يجب مراعاة الفوارق بين هذين النوعين وعدم اعتبارهما شيئاً واحداً؟ بالتأكيد يجب الإبقاء على قدر من التمييز النظري والعملي بينهما. فالاختلاف بين دلالة مفردتَي «احتلال» و «استبداد»، يشير بدايةً إلى مصدر القوّة «داخلي» أو «خارجي» ومن حيث التبرير «توسُّع واستيطان وحماية مصالح» أو «تحقيق الأمن الداخلي». أما التشابه فهو في جوهر عمل القوة المنفّذة وآليات الاستجابة لها «المقاومة». قديماً، لاحظ الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704) أن «من يستخدم القوة بدون حق، يضع نفسه في حالة حرب مع أولئك الذين يستخدم القوة ضدهم». وتلاحظ كذلك حنة أرنت (1906-1975) في مقدّمة كتابها «في الثورة» مدى التشابه في حالتَي «الحرب» و«الثورة» وكيف يشكّل العنف قاسماً مشتركاً بينهما.

-2-

نلاحظ في عبارة لوك قوله: «بدون وجه حق»، تبدو هذه الإضافة مهمة جداً. وفي تعريف ماكس فيبر الشهير للدولة بأنها «الكيان السياسي الذي يملك حق احتكار العنف المشروع»، فكلمة «المشروع» هي الموازية -رغم اختلاف التفاصيل- لعبارة لوك «بدون وجه حق». لا يمكن للعنف والتسُّلط أن يتواجدا إلا مصاحباً لهما تبريراً يضيف صفة مشروعية ومعقوليّة لهذا العنف.

ما هو العنف «المشروع» و«الغير مشروع»؟ تأخذ هذه الأسئلة أجوبتها من طبيعتها التداولية بين الناس وفقهاء القانون والهيئات العليا، لكن «المستبد» أو «المحتل» يروّجان الرواية التي تُظهر الجميع على توافق معهم في تحديدهم لما هو «مشروع».

من شأن هذا أن يولّد لدى طبقة تحتيّة من الناس مساحاتهم الخاصة لمناقشة «المشروع» و«الغير مشروع» وتحديد أطراف الصراع  التي يجب دعمها وما الآليات المفترض اتّخاذها للمقاومة.

-3-

هناك وجهتَين نظر حول سؤال نجاح أو فشل العنف في تحقيق إرادته.

تقول وجهة النظر الأولى: أن «العنف» هو الخيار الذي اضطرّت إليه سُلطة «المستبد» أو قوة «المحتل» لمنع خطر محتمل وتحقيق أمن داخلي. وأن هذا العُنف يُمارس لا رغبةً ولا حباً فيه، وإنما في سبيل تحقيق مصلحة وطنيّة. وأن أقل قدراً من الحاجة إليه هو ما يُمارس، فهو الوسيلة الوحيدة لمنع أسبابه والقضاء على الأفكار الإرهابية «للمقاومة». فهو في الأخير سينجح في تحقيق الاستقرار المنشود.

وتقول وجهة النظر الثانية: لا ينجح «العنف» أبداً فهو دائماً يخلُق مزيداً من المقاومة والإصرار على القضية. وأنه بقدر ما يزداد تزداد حدّة المقاومة. وأن النتائج اللحظيّة للعنف ونجاحه هو فترة مؤقّتة تسبق عاصفة جديدة.

ادّعاء النجاح الدائم للعنف يتجاهل فكرة «إلهام المشاعر والإصرار على القضية»، وبقدر ما يدّعي أنه «واقعي» يتجاهل اعتبارات هي في صميم الواقع. وادّعاء الفشل الدائم للعنف هو تفكير رغبوي ويتجاهل أن الآلام التي يحدثها العنف قد تكون حقيقيّة جداً وطويلة الأمد. وأن التاريخ لم يسجّل أسماء كل المناضلين والمقاومين والأبطال. وأن بعضهم سُحِقوا تماماً.

-4-

وبعيداً عن مناقشة التبريرات، من ناحية استراتيجية، نعَم قد ينجح العنف والتسلُّط في القضاء على المقاومة. لكن لا يحصل هذا إلا بشروط منها: الثقة والتقدير الاستراتيجي لعدم إنتاج هذا العُنف مزيداً من المقاومة وعدم إلهامه مشاعر أعضاء المقاومة. ومنها: تقديم الأجوبة المعقولة على سؤال شرعيّة العنف. ومنها: إدراك ووعي بطبيعة أفكار مجتمع المقاومة وعدم تغذيته وخلق «قضايا» جديدة له. من الأمثلة على نجاح العنف والتسلُّط: نجاح القبضة الأمنية لألمانيا النازية في القضاء على المعارضين -مجموعة «الوردة البيضاء» كمثال- وغيرهم من آلاف الأسماء المنسيّة الغير مدوّنة.

لكن كيف يُنتج العُنف مزيداً من المقاومة؟ جين شارب صاحب الكتب المشهورة في المقاومة اللاعنفية، يتحدث عن ما أسماه «الجوجيتسو السياسي» بقوله: «عندما يتعرض الناس للقتل والضرب فإن ذلك يولّد عملية عكسية، حيث تستعمل قوة الخصم المفترضة لإضعافه من خلال تنفير المزيد من الناس من دعم ذلك النظام. وحشد المزيد من الناس في المقاومة الفعلية».

يخلُق الموت، القتل على يد النظام، حالة توحُّد لدى الشريحة الشعبية المعارضة له. كان مقتل الشاب «خالد سعيد» المُلهم الأول لتوحُّد الكثير من قوى المعارضة في مصر. وبعدما قُتِلَت «ندا آغا سلطان» الشابة الإيرانية في مظاهرات 2009، تضامن الكثير من الإيرانيين معها وأصبحت رمزاً للمقاومة. كذلك قضية «محمد الدرة» حيث ظهرت بشاعة الجيش الإسرائيلي خلقت موجة غضب في أنحاء العالم العربي. ونفس الشيء من الممكن أن يُقال عن «الاعتقال» على أن احتمالات تمدّد قضية الاعتقال وإلهامها لمشاعر المقاومة أضعف. رغم ذلك، كان اعتقال «نيلسون منديلا» في جنوب أفريقيا وقت حكم التمييز العنصري، مُلهماً للمقاومة ونقطة انطلاق موجة جديدة من أعمال التخريب والثأر.

-5-

قام الدكتور يورجن تودينهوفر النائب في الحزب المسيحي الديموقراطي بألمانيا، بعدّة لقاءات قام بها في مدينة الرمادي بالعراق مع أفراد من المقاومة العراقية بعد الغزو الأمريكي، وسجّل تلك المقابلات وتحليله لها في كتابه: « لماذا تقتل يا زيد»، يذكر مثلاً عن «زيد» أنه «لم يعد يمارس عملاً من أعمال المقاومة» بعد سنتين من محاولته عدم الانخراط في العنف، وبعد سقوط أخواه وعمه ضحية لغارة أمريكية، «إلا وأجساد الضحايا وحطام المساجد أمام عينيه المليئتين بالدموع». ويذكر مثلاً أن من أسباب صعود الإسلام المتطرف في العراق وظهور طالبان «أن لهما علاقة وثيقة بوحشية وغباء الحروب الغربية ضد الإرهاب». وأن «بن لادن وأحمدي نجاد هما أفضل من يُقدِّم لجورج بوش الذرائع الأساسية في خطبه، والعكس بالعكس، فالواجب علينا أن نضع نهاية سريعة لهذه اللعبة القاتلة».

وفي حديث إدوارد سعيد عن المقاومة الفلسطينية يصف دور إسرائيل خلال العقود الأخيرة بأنه «لم يكن على أي صلة بتحقيق الأمن لنفسها». ويذكر سبب ذلك حقيقة «أن الناس لا يستسلمون إذا ما كانوا يتعرّضون للضربات. إنهم في الحقيقة يتماسكون على نحو أكثر إصراراً وعناداً».

لا تبدو عبارة: «العنف لا يولِّدُ إلا مزيداً من العنف» ترفاً من القول، فهي وصف حقيقي وواقعي لسياسات تحتكر تعريفها للعنف وتعرِّف ما هو سلمي بالإرهاب فتولِّد إرهاباً مضاداً. دائرة مغلقة لا خروج منها إلا بمراجعات صادقة واعتراف بالجرائم المرتكبة.

السخرية بوصفها مقاومة سياسية

السخرية بوصفها مقاومة سياسية

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 16/06/2014.

كان التفكير الفلسفي في ماهية «الكوميدي» منذ القدم، ومنذ سقراط، المشهور هو نفسه بالتهكم، كان أول مَن لاحظ هذا التشابه الذي يقع أحيانًا بين الكوميدي والتراجيدي. هذا التشابه الذي جعل الكاتب الأمريكي الساخر جيمس ثيربر يرى أن أقرب شيء إلى الفكاهة، هو المأساة. بهذا الارتباط بين الكوميدي والتراجيدي؛ كانتَ السخريةُ دائمًا فعلَ تمرد؛ بحيث تتيح للموقف الجاد أن يجد مكانه في قلب الموقف الساخر، مضحكًا ومبكيًا في آن معًا.

في السخرية يظهر الإنسان عبقرية الترميز لديه، الرموز التي يصنعها ليجعلها تحمل الرأي الحقيقي الذي يريد أن يقوله، أو تضع يدها على مواضع ما ينبغي تصحيحه. فيلجأ إلى هذا «الترميز»، إلى تغليف رأيه بأقنعة لغوية أو كاريكتارية أو أي شكل من الأشكال، عبر ذكائه في استغلال المُتاح لاختراق الغير مُتاح، توظيف المسموح للنفاذ إلى المناطق المحرّمة الممنوعة. والهدف من هذا دائمًا إحراج السلطة التي وسّعت من مساحة الممنوع وتحرّم مساءلتها والحديث حول ما يمسها ويبرر قراراتها، كانت هذه السلطة متشكّلة على أساس قوة سياسية أو طبقيّة أو اجتماعية أو دينية. ومن هنا، فالسخرية لا تتضمن فقط إتاحة المساحة الكافية للمكبوت أن يظهر ويقاوم الضغوطات الخارجية، بل تتضمن أيضًا ذكاءً في الشكل الذي تظهر به.

وحيث إن شبكة العلاقات التي تنشأ في كل مجتمع تتفشّى فيها «السُّلطة» بشكل خفي وظاهر، فلا شكّ أن أنواعًا من السُّخرية المضادّة لها كثيرة ومتنوّعة جدًّا. وبعض أنواع السخرية الموجّهة للذات وللإنسان نفسه، هي لغرض السخرية نفسه والضحك لا أكثر. ولكن ما أريد الحديث عنه هنا هو نمط آخر مختلف، وهو «السخرية السياسية».

أوّل ما يميّز «السخرية السياسية» أنها موجّهة سياسيًّا. فهي تختلف عن السخرية المقصود بها إضحاك الناس والتندُّر اليومي على الأحوال المعيشية. ومن هنا، يعلّق الأديب غسان كنفاني على هذا النمَط من السخرية بأنه ليس «تنكيتًا ساذجًا على مظاهر الأشياء، ولكنها تشبه نوعًا خاصًّا من التحليل العميق». فهي تحمل مضمونًا يتعلّق بالنظام القائم والسياسة الواقعة في بلد أو آخر.

وثاني ما يميّز «السخرية السياسية» أنها أكثر حريّة. ورغم أن نظريّة فرويد في الضحك والسخرية معرّضة لكثير من الانتقادات، على أن وصفه للنكتة يبدو دقيقًا جدًّا عندما يصفها بأنها «تتفادى القيود، وتتخطّى العقبات، وتفتح في وجهنا أبوابًا للبهجة كانت موصدة دوننا. فهي تتيح لنا استغلال ظاهرة مضحكة في خصمنا لا نقوى على كشفها جادّين متعمّدين لما يعترض سبيلنا من عقبات».

وثالث ما يميّز «السخرية السياسية» أنها أكثر أمانًا. فهي متخفّية ومن الصعب محاصرتها سواء محاصرة وسيلة تداولها أو محاسبة مضمونها. فهي تسعى لأن يبقى ظاهرها الذي يمكن المحاسبة عليه في إطار القانون المسموح به. فهي «النص المفتوح» بلغة رولان بارت، القابلة للتأويل في أكثر من اتّجاه بحسب المتلقّي، مع ملاحظة أن «النص» هنا بالمعنى العام وليس الشكل الذي قد تتّخذه.

ورابع ما يميّز «السخرية السياسية» أنها تخلُق شعورًا بالوحدة بين من يتداولها. يأتي هذا الشعور نتيجة أنها أكثر أمانًا. فطالما هي تسير في إطار المُتاح، هناك قابليّة أكثر لتداولها في الوسط الذي يؤمن بمضمونها ويفهمه في نفس الوقت الذي يريد أن يسلُك فيه طريقًا لا يعرّضه لخطر العقاب ومخالفة القانون. وعادةً ما تكون هذه الشريحة هي الأوسع. يعزّز من تضامنهم تداولهم واتفاقهم على نفس المضمون رغم سائر الاختلافات التي بينهم. ولأن «السخرية السياسية» تمسّ علاقة الحكّام أو أصحاب السُّلطة بالمحكومين؛ فهي بالضرورة تخلُق هذا التباين وتجعل الحاجة إلى توحُّد القوى في الحلقة «الأضعف» أكثر وضوحًا.

يحمل التراث العربي نماذجَ كثيرةً من السخرية السياسية؛ فالكثير من النكت المنسوجة حول «جحا» مرتبطة بتيمورلنك الحاكم المغولي، كما يلاحظ ذلك خالد القشطيني الذي جمع الكثير من نماذج السخرية السياسية في كتابه «السخرية السياسية العربية» المطبوع عام 1988، استقراءً لنماذج السخرية في التراث ووصولًا إلى التاريخ العربي في القرن العشرين.

مصر من بين البلدان العربيّة هي الأكثر شهرةً باتّخاذ هذا النمط من السخرية. ومما لاحظه الشاعر المصري كامل الشناوي قديمًا أن النكتة كانت «هي السلاح السري الهدام الذي استخدمه المصريون ضد الغزاة وقوى الاحتلال، كانت المخرّب الذي خرق قصور الحكّام واقتحم حصون الطغاة، فأقلق راحتهم وملأ قلوبهم رعبًا».

وفي محاولته لتفسير حب المصري للنكتة، يحيل السبب المفكّر المصري عبد الوهاب المسيري إلى «التجربة التاريخية الطويلة التي جعلت المصري يعيش كثيرًا من التناقضات ولحظات الانتصار والانكسار ويشعر بالقوة والعجز». الأمر الذي جعل المصري «قادرًا على تطوير رؤية فلسفية قادرة على تقبل التناقضات وتجاوزها من خلال النكتة. وإن كان هذا لا ينفي أيضًا مقدرته على التجاوز من خلال الثورة».

وهنا، لا بدّ من ملاحظة أن استطراد المسيري الأخير حول أن النكتة لا تنفي قدرة المجتمع على تجاوز الأزمات بالثورة، استطراد مهم جدًّا. فحتى لا نُبالغ بتقدير دور السخرية في المقاومة، فهي شيء مختلف عن الحَراك الاجتماعي والشعبي. وإن كانت عاملًا لا يتجزّأ منه. السخرية توفّر حيزًا للمقاومة وتخلُق أرضًا خلفيّةً لها، لكن تحت أوضاع سياسيّة واجتماعية معيّنة من الممكن أن تتحوّل هذه «السخرية السياسية» إلى عادة يومية، بحيث يصبح التندُّر والضحك وتداول النكات هو أكثر ما يمكن فعله. وقد يستمرّ هذا الحال لعقود.

ثمّة كتُب ودراسات كثيرة حاولت جمع ودراسة النكت وأنماط السخرية السياسية في ثورة «25 يناير»، سواءً التي تداولت في وسائل التواصل الاجتماعي أو كُتِبت على جدران الشوارع أو رُفعِت في اللوحات التي شاركت في المظاهرات. ورغم كل هذا، يبقى الجانب النظري في مفاهيم السخرية وأثرها سواءً في المجتمع أو في المقاومة السياسية؛ مجالًا غير مطروق كثيرًا لا عربيًّا ولا غربيًّا.