كيف ينتج العنفُ مزيدًا من المقاومة؟

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 23/06/2014.

-1-

في آخر أيام الحرب العالمية الثانية، وقّعت وفود 50 دولة على «ميثاق الأمم المتحدة» والذي ينص في المادة الثانية منه على امتناع الموقّعين في علاقاتهم الدولية عن «التهديد باستعمال القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة». وفي المادة 51 من الميثاق ينص على أن هذا الميثاق لا ينتقص «الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة». كثيراً ما تُذكر هذه المواد بوصفها تُعطي مشروعيّة وتبرير للمقاومة المسلّحة، وإن كانت المقاومة بطبيعة الحال لا تحتاج إلى هذا التبرير.

عوامل كثيرة جداً جعلت العلاقة بين العُنف والمقاومة تعود في أبسط صورها إلى الفكرة الأكثر قدما في سلوك الإنسان: الفعل ورد الفعل. ومن هنا أتساءل: هل ينجح العنفُ في القضاء على المقاومة وفرض إرادته؟ وماذا لو أنتج العنفُ مزيداً من المقاومة وألهم حماسها أكثر؟

والعنف الذي أقصده هنا بمعنيين: 1- العُنف الداخلي للنظام الاستبدادي، كان هذا العنف عبارة عن: التخويف والترهيب من نقد الدولة أو الاعتقال التعسفي أو التمييز العنصري أو التجريم غير المعقول لأفعال معيّنة أو أي شكل من الأشكال التي تدخل في قائمة الانتهاكات والاضطهادات. 2- العُنف الآتي من الخارج من نظام مُحتل أو استعماري، من تهجير وتشريد ومساس بالاستقلال السياسي واتخاذ كل الأساليب الممكنة من قتل وتعذيب واعتقال لتحقيق ذلك.

ألا يجب مراعاة الفوارق بين هذين النوعين وعدم اعتبارهما شيئاً واحداً؟ بالتأكيد يجب الإبقاء على قدر من التمييز النظري والعملي بينهما. فالاختلاف بين دلالة مفردتَي «احتلال» و «استبداد»، يشير بدايةً إلى مصدر القوّة «داخلي» أو «خارجي» ومن حيث التبرير «توسُّع واستيطان وحماية مصالح» أو «تحقيق الأمن الداخلي». أما التشابه فهو في جوهر عمل القوة المنفّذة وآليات الاستجابة لها «المقاومة». قديماً، لاحظ الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704) أن «من يستخدم القوة بدون حق، يضع نفسه في حالة حرب مع أولئك الذين يستخدم القوة ضدهم». وتلاحظ كذلك حنة أرنت (1906-1975) في مقدّمة كتابها «في الثورة» مدى التشابه في حالتَي «الحرب» و«الثورة» وكيف يشكّل العنف قاسماً مشتركاً بينهما.

-2-

نلاحظ في عبارة لوك قوله: «بدون وجه حق»، تبدو هذه الإضافة مهمة جداً. وفي تعريف ماكس فيبر الشهير للدولة بأنها «الكيان السياسي الذي يملك حق احتكار العنف المشروع»، فكلمة «المشروع» هي الموازية -رغم اختلاف التفاصيل- لعبارة لوك «بدون وجه حق». لا يمكن للعنف والتسُّلط أن يتواجدا إلا مصاحباً لهما تبريراً يضيف صفة مشروعية ومعقوليّة لهذا العنف.

ما هو العنف «المشروع» و«الغير مشروع»؟ تأخذ هذه الأسئلة أجوبتها من طبيعتها التداولية بين الناس وفقهاء القانون والهيئات العليا، لكن «المستبد» أو «المحتل» يروّجان الرواية التي تُظهر الجميع على توافق معهم في تحديدهم لما هو «مشروع».

من شأن هذا أن يولّد لدى طبقة تحتيّة من الناس مساحاتهم الخاصة لمناقشة «المشروع» و«الغير مشروع» وتحديد أطراف الصراع  التي يجب دعمها وما الآليات المفترض اتّخاذها للمقاومة.

-3-

هناك وجهتَين نظر حول سؤال نجاح أو فشل العنف في تحقيق إرادته.

تقول وجهة النظر الأولى: أن «العنف» هو الخيار الذي اضطرّت إليه سُلطة «المستبد» أو قوة «المحتل» لمنع خطر محتمل وتحقيق أمن داخلي. وأن هذا العُنف يُمارس لا رغبةً ولا حباً فيه، وإنما في سبيل تحقيق مصلحة وطنيّة. وأن أقل قدراً من الحاجة إليه هو ما يُمارس، فهو الوسيلة الوحيدة لمنع أسبابه والقضاء على الأفكار الإرهابية «للمقاومة». فهو في الأخير سينجح في تحقيق الاستقرار المنشود.

وتقول وجهة النظر الثانية: لا ينجح «العنف» أبداً فهو دائماً يخلُق مزيداً من المقاومة والإصرار على القضية. وأنه بقدر ما يزداد تزداد حدّة المقاومة. وأن النتائج اللحظيّة للعنف ونجاحه هو فترة مؤقّتة تسبق عاصفة جديدة.

ادّعاء النجاح الدائم للعنف يتجاهل فكرة «إلهام المشاعر والإصرار على القضية»، وبقدر ما يدّعي أنه «واقعي» يتجاهل اعتبارات هي في صميم الواقع. وادّعاء الفشل الدائم للعنف هو تفكير رغبوي ويتجاهل أن الآلام التي يحدثها العنف قد تكون حقيقيّة جداً وطويلة الأمد. وأن التاريخ لم يسجّل أسماء كل المناضلين والمقاومين والأبطال. وأن بعضهم سُحِقوا تماماً.

-4-

وبعيداً عن مناقشة التبريرات، من ناحية استراتيجية، نعَم قد ينجح العنف والتسلُّط في القضاء على المقاومة. لكن لا يحصل هذا إلا بشروط منها: الثقة والتقدير الاستراتيجي لعدم إنتاج هذا العُنف مزيداً من المقاومة وعدم إلهامه مشاعر أعضاء المقاومة. ومنها: تقديم الأجوبة المعقولة على سؤال شرعيّة العنف. ومنها: إدراك ووعي بطبيعة أفكار مجتمع المقاومة وعدم تغذيته وخلق «قضايا» جديدة له. من الأمثلة على نجاح العنف والتسلُّط: نجاح القبضة الأمنية لألمانيا النازية في القضاء على المعارضين -مجموعة «الوردة البيضاء» كمثال- وغيرهم من آلاف الأسماء المنسيّة الغير مدوّنة.

لكن كيف يُنتج العُنف مزيداً من المقاومة؟ جين شارب صاحب الكتب المشهورة في المقاومة اللاعنفية، يتحدث عن ما أسماه «الجوجيتسو السياسي» بقوله: «عندما يتعرض الناس للقتل والضرب فإن ذلك يولّد عملية عكسية، حيث تستعمل قوة الخصم المفترضة لإضعافه من خلال تنفير المزيد من الناس من دعم ذلك النظام. وحشد المزيد من الناس في المقاومة الفعلية».

يخلُق الموت، القتل على يد النظام، حالة توحُّد لدى الشريحة الشعبية المعارضة له. كان مقتل الشاب «خالد سعيد» المُلهم الأول لتوحُّد الكثير من قوى المعارضة في مصر. وبعدما قُتِلَت «ندا آغا سلطان» الشابة الإيرانية في مظاهرات 2009، تضامن الكثير من الإيرانيين معها وأصبحت رمزاً للمقاومة. كذلك قضية «محمد الدرة» حيث ظهرت بشاعة الجيش الإسرائيلي خلقت موجة غضب في أنحاء العالم العربي. ونفس الشيء من الممكن أن يُقال عن «الاعتقال» على أن احتمالات تمدّد قضية الاعتقال وإلهامها لمشاعر المقاومة أضعف. رغم ذلك، كان اعتقال «نيلسون منديلا» في جنوب أفريقيا وقت حكم التمييز العنصري، مُلهماً للمقاومة ونقطة انطلاق موجة جديدة من أعمال التخريب والثأر.

-5-

قام الدكتور يورجن تودينهوفر النائب في الحزب المسيحي الديموقراطي بألمانيا، بعدّة لقاءات قام بها في مدينة الرمادي بالعراق مع أفراد من المقاومة العراقية بعد الغزو الأمريكي، وسجّل تلك المقابلات وتحليله لها في كتابه: « لماذا تقتل يا زيد»، يذكر مثلاً عن «زيد» أنه «لم يعد يمارس عملاً من أعمال المقاومة» بعد سنتين من محاولته عدم الانخراط في العنف، وبعد سقوط أخواه وعمه ضحية لغارة أمريكية، «إلا وأجساد الضحايا وحطام المساجد أمام عينيه المليئتين بالدموع». ويذكر مثلاً أن من أسباب صعود الإسلام المتطرف في العراق وظهور طالبان «أن لهما علاقة وثيقة بوحشية وغباء الحروب الغربية ضد الإرهاب». وأن «بن لادن وأحمدي نجاد هما أفضل من يُقدِّم لجورج بوش الذرائع الأساسية في خطبه، والعكس بالعكس، فالواجب علينا أن نضع نهاية سريعة لهذه اللعبة القاتلة».

وفي حديث إدوارد سعيد عن المقاومة الفلسطينية يصف دور إسرائيل خلال العقود الأخيرة بأنه «لم يكن على أي صلة بتحقيق الأمن لنفسها». ويذكر سبب ذلك حقيقة «أن الناس لا يستسلمون إذا ما كانوا يتعرّضون للضربات. إنهم في الحقيقة يتماسكون على نحو أكثر إصراراً وعناداً».

لا تبدو عبارة: «العنف لا يولِّدُ إلا مزيداً من العنف» ترفاً من القول، فهي وصف حقيقي وواقعي لسياسات تحتكر تعريفها للعنف وتعرِّف ما هو سلمي بالإرهاب فتولِّد إرهاباً مضاداً. دائرة مغلقة لا خروج منها إلا بمراجعات صادقة واعتراف بالجرائم المرتكبة.