الفيلم: وثائقي Citizenfour.

مدة الفيلم: ساعة و53 دقيقة.

* خلفية عامة:

لا أزال أتذكّر شهر يونيو 2013 حيث ظهرت الأخبار حول تسريبات جديدة تكشف القدرة الهائلة لوكالة الأمن القومي الأمريكية في مراقبة وتتبُّع أكثر ما تضطّر فيه لاستخدام الشبكات والانترنت، الصفحات التي زرتها على الانترنت، الإيميل، اتصالات الهواتف، رسائلك على مواقع التواصل الاجتماعي، برامج المحادثات، والكثير من الأمثلة.

وكنت ألاحظ الاسم الذي يتكرّر مع هذا الخبر: إدوارد سنودن، موظّف وكالة الأمن القومي الذي سرّب الخبر بعد سفره من البلاد. وارتبط اسمه في ذهني بأنه شخص آخر مثل برادلي مانينغ، محلل القوات البرية الأمريكية الذي سرّب مجموعة كبيرة من الوثائق لويكيليكس. غير أن برادلي لم يحالفه الحظ، فقُبِض عليه وحُكِمَ عليه بـ38 سنة.
في الحقيقة، لم أكُن على ذلك القدر من الاهتمام بجدل المراقبة والخصوصية. دائماً ما تتواجد هذه الفكرة في الأفلام والمسلسلات بحيث بدَت مألوفة، مسلسل Person of interest مثلاً، والذي بدأ من 2011، فكرته قائمة على أن هناك كاميرات تراقب كل شيء يجري في المدن الأمريكية. بل وأقدم منه، مسلسل الأكشن 24، والذي بدأ في 2001، يُظهِر قدرات مراقبة هائلة.

بهذه التصوّرات بدأت في مشاهدة الفيلم. وكان الفيلم ناجحاً في جعلها تتغيَّر.

* … عن الفيلم:

]قبل الحديث عن الفيلم، أُنبِّه إلى أن الفيلم فعلاً لا يتطلَّب أن تكون تقنياً ماهراً أو لك خبرة في الأمن الرقمي لتفهمه، تستطيع ببساطة أن تستوعب جيداً كل شيء.[

هذا الوثائقي حقيقي جداً، هو ليس فيلم خيال علمي عن قدرات مستحيلة سنصل إليها بعد عدة سنين، لم يُصوَّر الوثائقي بأداء تمثيلي ولا في لقطة واحدة. تذكّر دائماً وأنت تشاهد أنه ليس فيلم إثارة. ولذا أرجوك، لا تكُن مثل قناة CBC المصرية حين قالت أثناء خبر حصول الفيلم على جائزة الأوسكار للأفلام الوثائقية: تمثيل إدوارد سنودن، الذي تغيّب عن استلام الجائزة!

الأجزاء الرئيسيّة في هذا الفيلم مُصوَّرة في غرفة داخل فندق. وبداية الفيلم مقدّمة عامّة وجيّدة عن قضية مراقبة وكالة الأمن القومي الـNSA والـFBI لعملاء شركات الاتصالات.

من الناحية الإخراجية، بدا لي الفيلم ضعيف إلى حدٍّ ما، تملك المُخرِجة محتوىً ثرياً وكاميرات صوّرت بذكاء لقطات وردود الفعل في وقتها الحقيقي، كانت هناك الكثير من المساحات الممكن استخدام الجرافيكس فيها لشرحها وتوضيحها، الوثائق التي عُرِضَت مثلاً. لكن ربما كانت إرادة المُخرِجة، لورا بويتراس، والتي كانت بداية كل هذه القصة عن طريقها، ربما كانت إرادتها أن يبدو الفيلم كاملاً من غير أي مؤثّرات أو عوامل إضافية غير ما التقطته الكاميرا.

* حول ردود الفعل:

الأثر الذي تركه سنودن وردود الفعل -سواءً كانت على ما قام به نفسه، أو على الفيلم- كثيرة جداً، لكن أريد هنا أن أتحدّث عن ثلاث أمور:

تمثال إدوارد سنودن في حديقة نيويورك، 6 أبريل 2015
– تمثال إدوارد سنودن.

في صباح الأمس، يوم الاثنين 6 أبريل 2015، قام مجموعة فنانين مجهولة أسماءهم بنحت تمثال لإدوارد سنودن، من ثم وضعوه في أحد الحدائق العامة بنيويورك. في نفس اليوم، أُزِيل التمثال من قبل شرطة نيويورك وشرع قسم الاستخبارات في التحقيق في الأمر.


من ناحية أخرى، الفيلم حصل على جائزة الأوسكار. هذه الجائزة، وهذا الاعتراف، شيءٌ رمزي للغاية. تقديم الأوسكار هذا، هو أقرب لكونه اعترافٌ بنبل ما قام به سنودن وشكرٌ له، هو أقرب لكونه كذلك من كونه فيلم وثائقي يملك عناصر قوة في الإخراج والمؤثرات و..الخ.


تمثال إدوارد سنودن أثناء إزالة شرطة نيويورك له، 6 أبريل 2015
تخيّل هذا الأمر؟ الأوسكار، جائزة سنوية تُقام منذ عام 1927، أي حوالي 90 سنة، جائزة بهذا الثقل توجّه لفيلم عن سنودن. في ذات الوقت الذي تُصِر فيه التصريحات الرسمية أن سنودن شخص ارتكب جرائم جادّة وخطيرة بنشره لمستندات تهدّد الأمن القومي. هل هناك صورة أكثر من هذه توضِّح مدى الفجوات بين أطياف المجتمع الأمريكي والإدارة الأمريكية؟


– جون أوليفر: خصوصية صورة قضيبي.

مؤخّراً، قام المذيع الساخر جون أوليفر بحلقة خاصّة عن: مراقبة الحكومة. ذهب إلى روسيا وقابل إدوارد سنودن وهو يملك سؤالاً رئيسياً ومحدداً جداً ومن خلاله يريد أن يفهم كل شيء: هل تستطيع الحكومة أن ترى صورة قضيبي لو أرسلته إلى صديقةٍ لي؟ يقول أوليفر، بهذه الطريقة سيفهم الشعب الأمريكي مدى أهميّة حماية الخصوصية.

في أحد فقرات الحلقة، يُسأل المارّة في ميدان (التايمز) بنيويورك: من هو إدوارد سنودن؟ لا يعرفونَه. وقبل ثلاثة أسابيع، أجرى مركز بيو لاستطلاعات الرأي استطلاعاً حول الخصوصيّة وتأثير إدوارد سنودن، ومما يتضمّنه أن 46% من الأمريكيّين لا يكترثون بمراقبة الحكومة لهم.

هل يعني هذا أن كلّ ما قام به، كان للا شيء؟
جرين جرينوالد، الصحفي الذي يظهر طوال الفيلم وكان هو أول من بدأ هذه القصة كلها، كتب مقالاً تعقيبياً على الحلقة. يقول فيه: ليست القضية أنهم لا يعرفون سنودن، القضية هي العزوف السياسي. واستعرض الكثير من الأمثلة على إحصائيات سابقة عن العزوف عن الانتخابات، والجهل بأسماء مسؤولين كبار -نائب رئيس الجمهورية مثلاً-، والجهل بأسماء القطاعات الثلاثة الرئيسية للحكومة. وغيرها من الأمثلة الكثيرة. ويُلاحظ أن من ضمن أسباب هذا العزوف السياسي -المُقلِق تواجده بنسبة عالية في أي دولة- إلى أنهم لا يعتقدون أن الاهتمام بالسياسة قد يغيِّر أي شيء في حياتهم.

– “لا أملكُ شيئاً لأخفيه، لماذا أهتم؟”

كثيراً ما تُقال هذه الفكرة في التقليل من شأن أهمية الخصوصيّة، نحن كسعوديين نسمعها كثيراً. ” لا أملكُ شيئاً لأخفيه، لماذا أهتم إن كانت تراقبني الحكومة؟ “

انتهاك الخصوصية باسم المصلحة العامة والأمن القومي،
من كتاب: الخصوصية: مقدمة مختصرة جداً،
مترجم من قبل مؤسسة هنداوي.
تتستّر هذه الفكرة بغطاء الشخصية العمليّة جداً، والواقعيّة جداً. وفي الحقيقة، هي مبنية على أساس -فيما أراه- واهي تماماً. بل من يؤيِّد المراقبة الحكومية يستنِد على أسس أكثر ثباتاً من هذا الموقف اللا مبالي. والفكرة من الاهتمام، أنني كمواطن لا يجب أن أسمح أن تكون كل هذه السلطة في يد أشخاص قد يسيؤون استخدامها. وخاصةً في الوقت الذي تظهر فيه الأخبار عن إساءة استخدامهم لها. هُم بحاجة إلى أن يكتسبوا ثقتي، وثقتي ليست سهلة، وليكتسبوا ثقتي لا بدّ من أن تكون هناك شفافيّة كافية تجعلني أُسائلهم لو أساؤوا استخدام الموارد التي بين أيديهم.

الفكرة الرئيسية من اهتمامي بخصوصيتي، هي الفكرة القديمة: “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. هي الفكرة التي تجعلني أريد أن يكون تعاملي مع السُّلطة التي تدير بلدي، تعامل الند للند، وليس تعامل العبد للسيّد. هي الفكرة التي من خلالها أن أستطيع أن أقول: أنا مواطن أحترم البلد الذي أعيش فيه، ويحترمني.

* انطباعات شخصية أثناء مشاهدة الفيلم:

أولاً:
كان عمر سنودن حين قام بتلك التسريبات 29 سنة، هو بهذا العمر وبذلك الذكاء والقدرة التقنية الهائلة التي جعلته قادراً للاطلاع على أي شيء في الوكالات الأمنية الأمريكية، حتى ضربات الطائرات بلا طيار يستطيع متابعتها في الوقت اللحظي لها. تعرِف من أمرٍ كهذا، أن هذا شخصٌ ليسَ عادياً.

من ناحية أخرى، برادلي مانينغ أيضاً، المحلل الاستخباراتي، كان يبلغ من العمر 23 سنة حين قام بالتسريبات.
وبما أني -وبشكل عام- أعتبر نشر المعلومة في الفضاء الحر؛ جزء من نضال الشعوب ضد الحكومات لاكتسابها حق المعرفة، أجد أنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام ظهور مثل هذا الجيل المتفوّق تقنياً ولديه مثل هذه التطلعات السياسيّة. خاصّةً إذا رافق ذلك شعور بالمسؤولية تجاه ما ينشر ومالا يُنشَر.

ثانياً:
سنودن، ذكي جداً. حريص وحَذِر بشكل مُلفِت -وأحياناً يجعلك مثله، تبدأ تشك وتبحث عن طرق لحماية خصوصيتك-. يعرف قدرات خصمه جيداً، درس كل الخطوات التي سيُقدِم عليها، قام بالتخطيط لهذا الأمر لعدة شهور. حتى زوجته لم يُخبرها بنيته. لم يحذف بَصْمَة أصابعه بحيث سيعلمونَ سريعاً أنه هو الشخص الذي سرّبها -بعد ظهور المستندات وقبل ظهوره العلني-. لم يختبئ في الظلام. يقول: أنا لا أريد الاختباء والتسلُّل، لا أظن أنه عليّ أن أفعل ذلك.

ثالثاً:
عندما نُشِرَت وثائق ويكيليكس، كانت تتضمَّن أسماء شخصيات كثيرة جداً، غير مبهمة ولا محجوبة. كانت هذه الوثائق السرية بالآلاف ومتاحة للجميع. ترتّب عليها احتجاجات واغتيالات وأحداث كثيرة جداً. لم يكُن سنودن يرغب في شيء كهذا. ولو كانت الوثائق التي يملكها لا تتضمّن أسماء أشخاص، فهو لا يرغب في نشرها كنوع من الانتقام من الوكالة التي كان يعمل لديها، ولا يرغب بالتسبّب بأي أذى، هو فقط يريد أن تتوجّه الأمور نحو مسارها الصحيح. يريد من هذه السُّلطة أن تتقيّد بإرادة الشعب.

سنودن يتصرَّف بمسؤولية أكثر تجاه ما كان بين يديه، يقول: لا أريد أن أكون الشخص الذي يتّخذ القرار فيما يجب نشره ومالا يجب، ولهذا بدلاً من نشرها علناً بنفسي، أُعطيها لصحفيّين ]اخترتهم[، بحيث تُمثَّل المصلحة العامة ]المرجو تحقيقها من نشر هذه الوثائق[ بأفضل الطرق الممكنة.


رابعاً:
جلين جرينوالد صحفي تصرَّف بمهنية عالية وبشجاعة نادرة. وهو بالمناسبة كتبَ كتاباً قيّماً يحكي فيه القصة كاملة، بعنوان: (لا مكان للاختباء). الكتاب مُترجم بالعربية بهذا العنوان وموجود في مكتبة جرير.