عن الاعتقال السياسي وعواقبه: كلمة لا بد منها

نُشِرَ في صحيفة التقرير الالكترونية، 08/07/2014.

إلى وليد أبو الخير، حرًّا أينما كنتَ..

-1-

يثير الاعتقال، أيّ اعتقال –بالمعنى الواسع له-، سواء كان لقضية عادلة أم ظالمة، كان متهمًا بريئًا أم مدانًا، يثير أسئلة جوهرية وأساسية حول شرعيّته ومن ينفّذه. لأن السجن، كما يقول ميشيل فوكو، هو المكان الوحيد الذي تظهر فيه السلطة في شكلها العاري، في بُعدها الأكثر تجاوزًا، وتبرر نفسها بوصفها سلطة أخلاقية. فلهذه السلطة الحقّ فيما تقرره من عقوبات بما أن السجين مارس سلوكًا ممنوعًا. تجربة السجن هذه، سواء لقضية عادلة أو ظالمة، هي بحد ذاتها، كما ينص فوكو، للمرة الأولى تظهر فيها السلطة ولا تتخفى ولا تتستر ولا تتقنع. وإنما تظهر بوصفها طغيانًا شاملا ومنتشرًا في أدق التفاصيل، طغيانًا فجًّا. وخاصّة أنه مُبرَّر تمامًا، ما دام يستطيع أن يتشكّل داخل أخلاق ومبادئ تؤطر عمله وممارسته وتجعله شرعيًّا ومطلوبًا. فطغيان السجن هذا يظهر بوصفه هيمنةً هادئةً للخير على الشر، والنظام على الفوضى. أو هذا ما يدعيه السجن.

يحصُل هذا في كل اعتقال، بنفس القدر فيمَن كتبَ قصيدة وقال رأيًا أو فيمن قتل بريئًا، تُثير تجربة السجن هذه أسئلة عند هذا المعتقل وذويه ومحيطه الاجتماعي: من الذي يجب أن يكون في السجن؟ وما هي المبررات؟ ما الهدف من العقوبة ونظام العقوبات في النظام القائم؟ هل للسلطة التي مارسته الشرعيّة في ممارسته؟ وهل هو تحقيق للعدالة؟ تُثار هذه الأسئلة في كل المحيط الاجتماعي الذي يرتبط بهذا الفرد المُعتقَل، أسرته وأقاربه وأصدقائه وكلّ مَن يعرفه من قريب أو بعيد.

-2-

في حالة الاعتقالات على خلفية جرائم جنائية، أو القضايا التي يدرك الجميع تبرير وجود العقوبة عليها: القتل، السرقة، الاعتداء، الفساد،.. إلخ، يأتي أولًا حضور سُلطة الكلمات فيتحوّل الحديث عنه من كونه (اعتقالًا) -الكلمة التي تحيل دائمًا للممارسة التعسُّفية- ويتم استبدالها بكلمة (توقيف) أو (حكُم بالسجن)؛ وتأتي ثانيًا المبررّات والأجوبة على تلك الأسئلة بشكل مُقنِع ومرضٍ لدى هذا المحيط الاجتماعي كلّه، إلى حدٍّ ما. ولا يبقى إلا مجرد التعاطُف. فإقناع ابن السجين الذي قتل، بأن والده ارتكب جريمة أضرت بالمجتمع واعتدت على حقوق آخرين ولا بدّ من عقوبته عليها، يصبح أمرًا سهلًا ومبرّرًا أخلاقيًّا. لا يمنع هذا من أن أسئلة جديدة ستولد عنده، من باب التعاطف أيضًا لا من باب الوعي الحقوقي، تبحث عن حقوق هذا السجين، في المحاكمة العادلة، وفي معاملته بكرامة، وتوفير متطلباته، و.. إلخ. ويبدو حضور هذا “الإقناع” ضروريًّا ليُعطي “الشرعيّة العقلانية” لمنفّذه.

-3-

هناك حالة أخرى من الاعتقالات تُثار فيها تلك الأسئلة لكن بلا أجوبة “مقنعة”. ذلك أنّ خلفية المعتقل فيها لا تُعدّ كأيّ شيء مما ذُكِر؛ فهو قال رأيًا، أو كتب مقالًا، أو وقّع على بيان، أو شارك في مطالبة علنيّة بإصلاحات يؤمن بضرورتها. أو ربما ليس شيئًا من هذا كله؛ فهو معتقل فقط لأن هناك أمرًا مجهولة أسبابه صدرَ باعتقاله، ولم تُقدّم السلطة التي نفّذت هذا الاعتقال أيّ تبرير له سواء بمحاكمة عادلة أو ببيان واضح بجرائمه.

في حالة اعتقالات كهذه، أعني المتعلّقة برأي أو محض اشتباه أو حتى بلا أي تبرير، تبدو فيها كل تلك الأسئلة بإجابات غير مُقنعة. يجعل هذا من تلك الأسئلة هاجسًا، وتتحوّل قضية المعتقل، القضية التي كان يؤمن بها، أو قضية الاعتقال نفسها، تتحوّل إلى قضيّة متفشّية في كل هذا الوسط الاجتماعي الذي كان يحيا فيه هذا المعتقل. أريد أن أتحدّث قليلًا عن هذا التفشّي، مستفيدًا هنا من بعض أفكار جيمس سكوت، في كتابه: «المقاومة بالحيلة، كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم؟».

-4-

بنظرة إلى حالة المجتمع السعودي، وباستعراض حسابات تويتر المتزايدة المهتمّة بقضية الاعتقال، وهذه الحسابات رغم تأثيرها المحدود على تويتر، إلّا أنها تعكسُ واقعًا عمليًّا يتشكّل وينمو، (لنتذكّر مثلا: اعتصامات بريدة والأعداد التي خرجت إليها والتغطية التي حصلت عليها في تويتر -سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مطالب هذه الاعتصامات-)، ما يُمكن ملاحظته يمكن كتابته على النحو التالي: داخل المجتمع الكبير الذي يقع تحت هيمنة ورقابة السلطة، ينشأ مجتمع صغير بعيد قدر الإمكان عن أعينها، مجال اجتماعي يوفّر قليلًا من «الأمن النسبي»، يضم إليه من يثق فيهم ويرتاح لهم، يُتاح داخل هذا المجتمع الصغير لهذا الخطاب أن يعبّر عن نفسه بحريّة، أتحدّث عن خطاب وراء الأبواب المغلقة، والمقاهي والاستراحات والجلسات الخاصة. كلما ظهر للعلن أكثر فأكثر يخفّف هذا الخطاب من حدّته ويضعه في قوالب أكثر قبولًا وملاءمة لدى السُّلطة، أو يقول بصراحة ما يريده فيمَ يُفهم من قبل السُّلطة أنه تحدٍّ لها.

نمَط العلاقات الذي يسود في هذا المجتمع هو شعور متوحّد بالاضطهاد، والظلم، والرغبة في التغيير، يكوِّن هذا الشعور ما يُسمّى “ذاكرة احتجاجية” لا تُنسى، ولهذا المجتمع ما للمجتمع الكبير من تنوُّع واهتمامات مختلفة، لكنّه يتوحّد على أهداف ومصالح مشتركة ربما لا تكون حتى مُدرَكة بشكل دقيق. فهذا التوحُّد ليس برنامجًا حزبيًّا أو مشروعًا سياسيًّا، بقدر ما هو قضية الظلم نفسها. يجذّر هذا الشعور السائد كراهية تتكثّف عبر الصّمت والتورية في العلن، ورغبة في الانتقام والثأر والغضب مستترًا.

في فصل بعنوان: «توفير حيّز اجتماعي لثقافة انشقاقية تحتيّة»، من كتابه المذكور، يحدّد جيمس سكوت «الجمهور/ مستمعي الخطاب المستتر» كحلقة تضم الأقارب والأقربين والأصدقاء والجيران وزملاء العمل والرفاق. «فالرفاق إذ يعانون من المذلّة نفسها، أو -وهذا أسوء- يكونون عرضة لأساليب السيطرة نفسها، يكونون ذوي أهمية مشتركة في خلق خطاب الكرامة والرفض والعدالة بصورة مشتركة. وهم يمتلكون، بالإضافة إلى هذا، مصلحة مشتركة في إخفاء حيّز اجتماعي يكون بعيدًا عن رقابة أصحاب السيطرة، ويمكن فيه للخطاب المستتر أن يُصاغ وسط مكان آمِن نسبيًّا». «فالكرامة، تُعتبر، وفي الآن عينه، مُعطى شديد الخصوصية وشديد العمومية».

وبالنسبة لسكوت، فهذا الرفض يستنِد إلى ما تمّ تسميته في علم النفس الاجتماعي «نظرية رد الفعل» المستمدّة من النظرية الكلاسيكية للعدوانية: «تنطلق نظرية رد الفعل من الإرهاص القائل بأن ثمّةَ رغبةٌ بشريّةٌ في الحصولِ على الحرية والاستقلال، وأن هذه الرغبة حين تجد نفسها تحت وقع التهديد باستخدام القوة ضدّها، تقود صاحبها إلى رد فعل معارض». ثم يُلاحظ أن حدّة ردة الفعل هذه، يمكن أن تكون أخفّ بكثير لو كان هناك ثمّة «إقناع» مُصاحب لذلك التهديد يُعطيه صفة معقولة.

-5-

يتحوّل هذا الاضطهاد كهُويّة لهؤلاء المضطهَدين، فهُم يعرّفون نفسهم كـ«أسر المعتقلين» و«مناصريهم»، وتُصبح علاقاتهم مع السلطة علاقات: نحنُ وهُم. نحنُ الذين اعتُقِلَ فردٌ “منّا”، وهُم الذين نفّذوا ومارسوا هذا الاعتقال وآذونا في حريتنا وكرامتنا. يتغذّى هذا الشعور بالاضطهاد بكل أدبيّات الحرية والقانون وتحقيق العدالة. لا يرى نفسه مضطرًا إلى ثقافة سياسية عميقة وتكوين رُؤى واضحة، فقضيته في بادئ الأمر هي قضية الاعتقال وحسب، لكنّ مرور الوقتَ وعناد السلطة وعدم استجابتها سيجعله يُطوّر رؤاه السياسية ويتمسّك بما يؤمن به أكثر، وتتجاوز رؤاه السياسية قضية الاعتقال إلى قضايا غيرها.

يبني نظامه وقيَمه ومفاهيمه الأخلاقية الخاصة به، فالأكثر شجاعة هو من سينُاكِف هذه السلطة أكثر، والأكثر فعالية هو من سينشر وعيًا في المحيط الاجتماعي أكثر بهذه (القضية)، والخائن هو من سيتحالف بأي شكل من الأشكال مع هذه السلطة، ولو كان هذا الوسط الاجتماعي متديّنًا، فسيجد كل النصوص الشرعية التي تحثّ على إقامة العدل ورفض الظلم والجهر بالحقّ وما إلى ذلك.

يُلاحظ هنا أن كل هذا لا يؤصّل لحالة حقوقية بقدر ما يؤصّل لغضب ساخط ورغبة في تحقق كل ما من شأنه سيدفع لاحترام كرامتهم وكرامة المعتقل الذي لهم، فهو هم شخصي ورغبة منطلقة من هذا التعاطف لا من نظرية في الحقوق والسجن. يختلف هذا الأمر مع اعتقالات الأفراد الذين كان الاعتقال بحد ذاته قضيتهم (في السعودية، يمنك أن نتذكر محمد البجادي، وليد أبو الخير، كمثاليْن)، وكانت كلماتهم مُلامسة لمشاكل يشعر بها الكثير. فبالنسبة لأفراد كهؤلاء، يتجذّر لذويهم ومعارفهم الإيمان بالقضية التي كانوا يحملونها، أو على الأقل يُعرف أكثر السبب الذي اعتُقِلوا لأجله. يُشاهد مثلًا هذا الازدياد بالاهتمام بالقضايا التي تدخّلت السلطة فيها عند انتشار المقالات التي يُعتقل على خلفيتها صاحبها أو يُوقف من الكتابة وعدد المشاهدات التي يحققها.

-6-

لكل هذا كان معقولًا جدًّا لموقف د. عبد الله الحامد ود. محمد القحطاني عندما كان جزءًا كبيرًا من مشوارهم المطالبة بأن تُصبح محاكمتهم «علانية»، فهُم على دراية بمآلهم وسجنهم في النهاية، لكن، كما يقول جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984» عن مواقف ولحظات اليأس: «إن كان هنالك ثمّة أمل، فهو يكمُن في عامّة الشعب»، -ونخطئ حين نقرأ هذا الأمل باعتباره: التخريب أو التحريض أو الرغبة في الثأر، فهو أقرب إلى الوعي وولادة الحس الوطني الجديد-. كان المقابل الذي نالَوه هو أن يخرُج الخطاب «المستتر» إلى العلَن. أن يعرف عددٌ أكبر قضيتهم. أن يعرف مواطنون عاديون وبسطاء جدًّا القضية التي كافحوا لأجلها والمطالب التي طالبوا بها.

نحن أمام واقع اجتماعي في طور التشكُّل، لا أحد يُدرِك عُمق الأبعاد التي قد يأخذها في المستقبل، ولو سألنا: من صاحب القرار؟ من الذي يُصدِرُ قرارًا باعتقال فلان وفلان؟ كيف يتمُّ أمرُ الاعتقال نفسه؟ ربما بالإجابة على هذه الأسئلة -بقدرٍ من التبسيط- نعود إلى أسماء قليلة تأخذ مواقعا مختلفة داخل السلطة، تتأثّر قراراتهم بالثقافة السياسية لهم ومدى إدراكهم للواقع بقدر ما تتأثّر بمزاجهم اليومي وجودة كوب القهوة. والخطورة دائمًا أنّ هذا التفاوُت البيروقراطي الذي لا يرى الأثرَ الداخليّ والمستقبليّ لقراراته، يجعل الأمور تتراكم وتتعقّد أكثر.

قال الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية: «نحن، في المملكة العربية السعودية، نعتقد بضرورة الإصلاح السياسي، لكن يجب أن يكون بالتدرّج، وفيًّا لمطالب شعبنا، وأن يحمي نسيجه الاجتماعي» [صحيفة الحياة: 25/02/2005]. في الحقيقة، «حماية النسيج الاجتماعي» مفهوم مركزي في بنية أي دولة، لكن السؤال: متى كانت نتيجة الإصلاح السياسي سلبية تجاه النسيج الاجتماعي؟ وما المفترض فعله تجاه واقع يجعل الإصلاح السياسي هو وسيلة الاستقرار و«حماية النسيج الاجتماعي»؟ وما طبيعة هذا التدرُّج الذي نسمع به؟ لا أحد من الإصلاحيين المسجونين حاليًا يُريد شرًّا بالسُّلطة السياسية أو هو على درجة من الثوريّة بحيث يتمنّى تغييرًا جذريًّا لكامل الهرَم أو يشجّع على خطوات تفتح الأبواب على المستقبل المجهول. وهنا يكمن فرق أساسي بين الإصلاح الذي ينطلق بمطالب محددة من داخل النظام أو الثورة التي تريد إسقاط النظام كاملًا والبحث عن نظام بديل.

-7-

يمكن أن ألخّص ما أريد قوله هنا في أن فعلَ الاعتقال التعسفي فيما هو سلوك سلطوي يخلُق بالضرورة هُويّة متطرّفة مضادّة لمنفّذيه، وإن وجود هُويّة كهذه لا يمكن أبدًا أن يُنشئ حالة وطنيّة ينسجمُ فيها الجميع. وإنه حينَ تنعدمُ المبررات للاعتقال والاقتناع بضرورته؛ يتوالَد الشعور بالظلم وينمو داخل وسط اجتماعي كلما ازداد كلما كان الغضبُ الذي يكنّه أكثر ويأخذ أشكالًا عدّة يعبّر بها عن هذا الغضب ويسهل انجرافه لأفكار تدميرية وفوضويّة وغير مسؤولة. وإن تأخير وتهميش المعالجة الحقيقية لملف الاعتقال أو لملف سجن الإصلاحيين ليست هي لا في مصلحة هذه القضايا نفسها ولا هي في مصلحة الوطن الذي نعيش فيه ويهمنا أمنه ولا هي في مصلحة «النسيج الاجتماعي» الذي تريد كل دولة أن تُبقيه محميًّا، وإن الاستهتار بتراكم الغضب على السلطة من ذوي المعتقلين وأسرهم يقود دائمًا إلى ما قد يفلت من السيطرة أو يرسّخ كراهية متّسعة لا يتمناها أي مُحب حريص لهذا الوطن.

وأقولُ أخيرًا ما يفتتحُ به كل صباحٍ على تويتر الأستاذ عصام بصراوي: الإصلاح أسهل الخيارات، وأقلّها كلفة.