ابن الإنترنت البار: قصة حياة آرون سوارتز (وثائقي 2014)

صفحة الفيلم على آي إم دي بي.
______________________
شاهدت لأول مرة هذا الوثائقي بالصّدفة تماماً، رأيتُ أسامة خالد قد كتبَ عنه على تويتر، كنتُ متوقّعاً شيئاً مثل: قضية تقنية بحتة لا زلت لا أملك كل الخبرات التي قد تجعلني أفهم تفاصيلها. لكنّي قلت: الأمر يستحق المحاولة، وأنا أصلاً مُعتاد على قضاء الوقت الذي لا أنشغل فيه بأولوياتي على الوثائقيّات، قمتُ بتحميله على الجهاز على أن أشاهده لاحقاً، ومرّ شهر تقريباً قبل أن أُقرِّر أن أفتحه وأشاهده.
أذكُر أني انتهيتُ منهُ وعيني تدمع. وأذكُر أني كثيراً ما أوقفته لأبحث عن المزيد من تفاصيل القصة على الإنترنت. أدهشتني القصة. هناك جوانب كثيرة أدهشتني في هذه القصة:
1- كم فاتنا من قِصَص النضال التي لم نسمَع بها؟ كم فاتنا من قصص الأشخاص الذين ضحّوا بحياتهم وبحرياتهم، لمحاولتهم أن يجعلوا من مبادئ نتّفق معهم فيها تماماً، واقعاً ملموساً؟
2- آرون سوارتز نفسه: شخصيّته، أفكاره ومبادئه والقيَم التي عاش عليها. نبوغه المبكّر جداً في البرمجة وإيمانه الأصيل بعدم انفصال مواهبه البرمجيّة عن الواقع السياسي والاجتماعي من حوله. نتحدّث عن شخص كان كل شيء حوله يشير أنه كان بإمكانه أن يكونَ شبيهاً تماماً بأغنى أغنياء العالم اليوم: مؤسِّسي مايكروسوفت وجوجل والفيسبوك وغيرهم. كانت هذه الحياة مفتوحة على مصراعيها بين يديه.
3- ما مقدار الظُّلم الذي يمتلئ به هذا العالم؟
4- جيستور JStor. الموقع الربحي لتوفير المقالات الأكاديمية:
منذُ تعرّفتُ على Google Scholar (جوجل:الباحث العلمي) وأنا أستخدمه كثيراً في الوصول لأبحاث ومقالات تهمّني. أبحث أحياناً في الفلسفة السياسية، في علم الاجتماع وعلم النفس، في فلسفة الجمال، وفي الكثير من المجالات التي تهمّني. أو في المواضيع التي أرغب في الاطلاع على مصادر أكثر عنها، سواءً لأني أريد الكتابة عنها أو لأسبابٍ فضولية ومعرفيّة بحتة.
كثيراً ما يُحيلني الباحث العلمي لجوجل إلى جيستور. وكثيراً ما تكون نهاية رحلتي هناك، أشاهد خلاصة المقال في البداية، أجد أنه تماماً ما كنتُ أريده. أحاول تحميله. أجد نفسي مُرغماً على أن أدفع حوالي 40 دولاراً مثلاً، أو أكثر أو أقل، على المقالة الواحدة. أقومُ بمراسلة بعض الأصدقاء المسجّلين في جامعات لديها وصولاً مجانياً إلى جيستور. يقومون بتحميله وإرساله لي. تتكرّر القصة فأخجل من سؤالهم مرةً أخرى. وهكذا.
قضيّة آرون الرئيسية كانت: أنه عن طريق جامعة MIT والتي تملك وصولاً مجانياً لجيستور، كتب نصاً برمجياً (كود) بلغة بايثون. استطاع من خلاله أن يقوم بتحميل تلقائي لعدد مهول جداً من مقالات جيستور، والتي كان من ثمّ سيوفّرها للنشر المجاني. لاحقه الادّعاء العام والإف بي آي ووجّهوا له تُهَماً لا تُحتمَل. لدرجة أن جيستور نفسها، تنازلت عن الدعوى المُقامة ضدّ آرون عندما رأت أن الادّعاء العام يريد أن يستغلّ هذه القضية لأهدافه الشخصية أكثر من رغبته في أن يكون مدّعياً عن جيستور.
بعد انتحار آرون بيومَين، قام شخصٌ ما برفع 35 جيجابايت على التورنت: مقالات مجمّعة من جيستور. تستطيع أن تقوم بتحميلها من هنا. وبالمناسبة، عالم مواقع التورنت أيضاً يحمل قصص نضال أخرى قد أتحدّث عنها في وقت آخر.
5- تذكّرت وأنا أشاهد الوثائقي، الحملة التي حصلت في عام 2012 ضد قانون (سوبا) و(بيبا). عندما دخلت بالصُّدفة إلى ويكيبيديا ورأيتها تقول بالخط العريض ( حرية الإنترنت في خطر ). ومن الوثائقي فهمت أن آرون كان عضواً فاعلاً في هذه الحملة ضد القانون.
اليوم، هناك مشروع يُقدَّم في الولايات المتّحدة يجعل شركات الاتّصالات تتحكّم في سرعة الإنترنت بحيث تُبطئ مواقع هي تقرّرها، مما يجعل مواقع الشركات الضخمة التي تملك أموالاً كافية تدفعها لشركات الاتّصالات، تحصل على أسرع تصفّح. وغيرها قد لا يحصل على ذلك إلا بمقدار ما يدفع. ليس مقصوراً ضرر مثل هذا المشروع على الولايات المتّحدة فحسب، بل سيؤثّر على الإنترنت في العالم كله. تُقام حملة واسعة الآنلحماية حيادية الإنترنت: Net Neutrality. (شاهد حلقة الكوميدي جون أوليفر في التعريف بالقضية).
وجدتُ نفسي لاشعورياً –وغالباً بتأثير من الوثائقي- مهتماً ومتابعاً لهذه القضية وغيرها. وأصبحت قليلاً قليلاً أرى أهمية المفاهيم التي تدور حول (حرية الإنترنت) والحرية المعلوماتية.
______________________
 اقتباسات من الفيلم:
– آرون:
” أثناء نشأتي، كما تعرف، بدأت في استيعاب أن كل الأشياء المحيطة بي، والتي أخبرني الناس أنها من طبائع الأمور، وأنها يجب أن تكون دائماً هكذا. إنها لم تكُن طبيعيّة أبداً. كانت أشياء من الممكن أن تتغيّر. والأهم أنها كانت أشياء خاطئة ويجب أن تتغيّر. وعندما أدركت هذا لم يكن لي أن أتراجع”.
– آرون:
“لقد كنتُ مُحبطاً جداً من المدرسة. واعتقدت، أن المعلّمين لم يتقنوا ما يتحدّثوا عنه، وكانوا متسّلطين وباحثين عن السيطرة، الواجبات المنزلية كانت مجرد حجة مزيفة لجعل الطلاب متذمرين، وإجبارهم على القيام بما يشغلهم.
وبدأت قراءة العديد من الكتب عن تاريخ التعليم، وكيف تطوّر هذا النظام التعليمي، و ما هي بدائله، والطرق التي ستمكّن الناس فعلاً من التعلّم، بدلا من أن يتقيأ المعلم الحقائق ليتجرعها الطلاب، وهذا النوع من الإحباط الذي قادتني إليه المدرسة، جعلني أُسائل الكثير من الأشياء، ومنذ بدأت في التشكيك في ومسائلة المدرسة، أصبحت أُسائل المجتمع الذي بنى المدرسة و أشك وأُسائِل العمليات التجارية التي بُنيت المدرسة لأجلها، و أشك وأُسائِل الحكومة التي، قامت بتنصيب هذه البنية كلها”
– آرون:
” إن الميراث العلمي والثقافي للعالم أجمع، الذي نُشر طوال القرون الماضية عبر الكتب والمجلات،  ترقمنه بضع شركات خاصة وتحجر عليه. وفي ذات الوقت، هؤلاء المحرومون منه، لن يرضوا أن يبقوا مكتوفي الأيدي، تبحثون عن الثغرات وتقفزون الحواجز، لتحرروا المعلومات التي احتكرها الناشرون، وتتشاركونها مع أصدقائكم.
لكن كل هذا يتم في الخفاء سرا، يسمونه سرقة أو قرصنة، كما لو كان تشارك كنز المعرفة يُكافأ أخلاقيا، بمثابة الاستيلاء على السفن وقتل طاقمها، لكن النسخ ليس عيبا، بل هو واجب أخلاقي. لا يمنع صديقَه من النسخ إلا من أعمى الطمع قلبه، ليس من العدل اتباع القوانين الظالمة.”

– صديقة آرون التي ورّطها الإف بي آي أيضاً في قضيته:
” لا زلت غاضبة. لا زلت غاضبة أنك قد تسعى بكل طاقتك لمساعدة هؤلاء على القيام بالصواب، لكنهم يقلبون كل شيء عليك. ويؤذونك بكل ما يستطيعون. وفي تلك اللحظة ندمت على ما فعلت [تقصد أنها أخبرتهم بشأن بيان طلائع النفاذ المفتوح].
لكن ندمي الأكبر أننا رضينا بذلك، أننا لم نمنع حدوثه، أننا راضون بنظام عدالة يسعى للتلاعب بالبشر، والإيقاع بهم في أفخاخ تدمر حياتهم. ولذا نعم، أتمنى أني لم أقل شيئا، لكني أشد غضبا أن هذا هو المكان الذي أنا فيه، أننا كشعب نظن ألا بأس في ذلك”
______________________
أتممتُ الترجمة مع الصديق أسامة خالد بتقسيم أجزاء الترجمة ثم مراجعة أحدنا للآخر، وعليّ أن أقرّ أنه رغم الجُهد المبذول، كان عملاً جميلاً ورأينا أننا نبذل جهدنا فيما يستحق.